خليل الفزيع

إن لم تكن معي..

أدب الحوار من الأخلاق الكريمة التي يتربى عليها المسلمون، امتثالا لما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، حيث النصوص الكثيرة الداعية إلى أدب الحوار، بما في ذلك من الالتزام باحترام الذات من الطرفين المتحاورين، هو الاحترام الذي يؤدي حتما إلى احترام أحد الآخر والرقي بالحوار إلى مستوى ينأى كثيرا عن الشخصنة، ويترفع عن الإساءة المبطنة أو المباشرة، وهذه طريق تنحرف بالحوار عن هدفه الرئيس، وتحيله إلى نوع من الصراع الشبيه بصراع الديكة، حين تغيب الموضوعية، ويسود استعراض العضلات، وتطل النرجسية بوجهها القبيح. ومن طبيعة اللغة، أن يكون للكلمة أكثر من معنى، وما يستخلص من الكلمة من معني يخضع في الغالب إلى ثقافة المتلقي، وتصوره المسبق عن المعنى المراد الوصول إليه، ولم يعد من الذكاء تطويع الكلمة لتخدم هدفا خفيا أو تصورا مسبقا أو تفسيرا قسريا يتبناه أحد المتحاورين ضد غيره، بل ان ذلك من الخبث الذي يدل على سوء النية، ومع أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية كما يقولون، لكن بعض الأشخاص يؤمنون بمبدأ إن لم تكن معي فأنت ضدي، وهو مبدأ عقيم يدل على ضيق الأفق ومحدودية الرؤية و(قلة الحيلة) وعدم الثقة بالنفس أو الفكرة أو الرأي، وهو أمر ابتليت به الثقافة نتيجة عدم نضج المنتمين إليها فكريا، في ظل اتساع أفق تعاطي الكتابة ودون حدود، وسهولة البروز عبر وسائط جديدة للكتابة لم تكن معروفة في السابق، وهي فرصة أسيء استخدامها من أنصاف المثقفين، إن لم نقل عديمي الثقافة. ومن غير العدل أن نحكم على من نختلف معه في الرأي، ونطلق عليه تلك الأحكام المعلبة، وهي سلاح لا يستخدمه إلا أولئك الذين يسدون آذانهم ويغطون أعينهم عن الواقع المعاش، فإن لم تتفق معه في الرأي فأنت متناقض، وأنت طائفي، وأنت.. وأنت إلى آخر قائمة التهم الجاهزة التي تظهر دائما في سوق النخاسة الثقافية، حين يرتهن الفرد لفكر محدود يسد أمامه كل منافذ الرؤية للواقع بعين الموضوعية، وهذا لا يقتصر على البعيدين، بل يشمل من يزعمون إنهم أصدقاؤك، لكن الصداقة التي لا تبنى على الاحترام، لا خير فيها، والصديق الذي يتعمد الإساءة إليك لا خير في صداقته، وهو يستحق بجدارة أن تحذفه من قائمة أصدقائك غير مأسوف عليه، لأنه يمتطي صهوة الحماقة، وهي داء لا دواء له، والتسامح قد ينفع مع من يرجى برؤه من هذا الداء، أما من لا يرجى برؤه فما عليك سوى تجنب الاحتكاك به؛ خوفا على نفسك من النزول إلى مستواه. إن لم تكن معي فأنت ضدي، مطية يركبها العاجزون عن الاقناع أو الاقتناع، وهي مطية في الغالب لا تلبث أن تعثر بمن يمتطيها، فمن لا يستطيع تقويم رأيه لا يستطيع تقويم مساره، مع كثرة العقبات التي تمتلئ بها كل طريق معوجة لا يعرف مستخدموها الاستقامة، ولا يعترفون بها، مع أن آفاق الرؤية تتسع لكل الآراء، وفضاء النظر يستوعب كل مجال مما يحتمل الخلاف، وما من أمر مستقر على حال، والأغبياء وحدهم هم الذين لا يغيرون وجهات نظرهم، إذا ثبت لديهم الخطأ فيما يرون، وهذه درجة من الوعي لا يبلغها محدودو الفكر، وقاصرو النظر، بعد أن تسوروا بقناعات ذاتية منغلقة على ذاتها بقدر انغلاقهم على ثقافة هزيلة، وأطرف ما يمكن أن تلقاه في هذا الأمر أن من يدعو لحرية الرأي هو أكثر الناس ضيقا بالرأي الآخر، ومن يدعو إلى الحوار هو أكثر الناس هروبا منه؛ لأنه يعرف أن بينه وبين الحقيقة ما بين الثرى والثريا، والكاتب الحر هو من يؤمن بحرية غيره في الاختلاف، ولولا اختلاف الرأي لما ظهرت كثير من الحقائق التي سجلها التاريخ بوجه، ثم ظهرت بوجه آخر عندما خضعت للحوار الهادئ الرزين. فليس صحيحا القول إن لم تكن معي فأنت ضدي، فمن هو ضدك هو نفسك الأمارة بالسوء دون سواها.