د. فالح العجمي

البنى الأفقية للمجتمع

تتناوب المؤسسات الإعلامية ومراكز التحليل الاستراتيجي في العالم على تشخيص الوضع اليمني منذ مطلع هذا العقد من القرن العشرين، وبعضها يذهب إلى أن المشكلات الرئيسة هي اقتصادية في أساسها، ومنهم من يقول إنها خليط من السياسة والاقتصاد. لكني أرى أن المشكلة الجوهرية في هذا البلد العريق هي في أساسها ثقافية؛ فبالرغم من كون الوعي السياسي كبيراً لدى فئات عريضة من هذا الشعب، سواء في الشمال أو الجنوب، والقدرة على العمل أيضاً عالية، وكذلك طبيعة البلد متنوعة جغرافياً وبيئياً، من المرتفعات في الشمال إلى السواحل الطويلة المطلة على بحر العرب في الجنوب، ومن المنتجات الزراعية المتنوعة في الشمال والوسط إلى المنتجات النفطية والمعدنية في الشرق والوسط، بالإضافة إلى موقعها المتميز على البحر الأحمر وبحر العرب المتصل بالمحيط الهندي وطرق التجارة العالمية، وتحكمها كذلك في باب المندب المهم جداً للملاحة البحرية. كل ذلك يفرض أن تكون اليمن واحدة من بلدان المقدمة في المنطقة العربية، بل وهي مؤهلة لأن تكون حلقة الوصل مع أفريقيا، كما كانت طوال تاريخها العريق فيما قبل الميلاد، وفي القرون الميلادية الأولى.أما المشكلة الثقافية من وجهة نظري، فتتمثل في كون الناس في هذا البلد لا يؤمنون بالتراتبية؛ كل منهم يفهم في السياسة -كما يظن- ويريد أن يمارس السياسة بأي شكل من الأشكال. وأغلب من التقيتهم منهم، وهم كثير، ومتنوعو المهن والثقافات، يرون أنهم لا يقلون شأناً عمن يدير أمورهم السياسية في البلاد، حتى وإن كانوا مغتربين. فبدءاً من أصحاب البقالات الذين عرفناهم صغاراً، وهم يتحدثون عن الساسة بلغة نقدية، ويضعون السيناريوهات التي يتمكن من خلالها العرب من أن يهزموا إسرائيل، وأن يصبحوا أمة واحدة؛ ومروراً بكل صحفي وإعلامي وسفير، يرون جميعاً أنهم العارفون بكل شيء، وأنهم المؤهلون للحديث نيابة عن الفئات الأخرى.لم أر شعباً في حياتي ينظر مثلهم بهذه الطريقة الأفقية؛ أي أن جميع الناس متساوون، ولا فضل لأحد على آخر في معرفة أو خبرة، أو حتى تخصص قد لا يجيد الآخرون الحديث فيه. هل للحياة القبلية في الشمال بالذات دور في استشراء هذه الظاهرة؛ حيث يحمل أغلب الرجال، والفتيان أيضاً بدءاً من سن مبكرة، السلاح الشخصي، ويمسك بالخنجر نتيجة أي خلاف، حتى لو كان في الرأي؟ فأنا ممن يقدر لليمنيين اعتزازهم بأنفسهم، وعدم خضوعهم للآخرين، أو التذلل إليهم؛ لكن هل تستقيم الأمور بأن يصبح كل منهم أميراً على نفسه، وكل قبيلة لها سلطة على مناطقها دون أن تتماهى مع سلطة أكبر منها في حفظ كيان البلد؟نعرف أن مناطق الجنوب، وخاصة عدن وحضرموت، قد تربوا لعقود في ظل الاشتراكية، كما أن انخراطهم في التجارة قد جعل منهم أناساً ذوي مرونة عالية؛ لكن ربما اقتصر هذا الأمر على طبقة التجار، أو الذين هاجروا إلى خارج اليمن في آسيا أو البلدان العربية. ونعرف أيضاً أن اليمن اشتهرت بالتسامح الفكري والديني منذ قرون، لذلك لجأت إليها بعض الفئات التي كانت قد اضطهدت في أماكن أخرى، فهل تغير الوضع الآن، ليصبح الشقاق الفكري والديني بديلاً عن ذلك الوئام الذي كان يندر وجوده في مناطق أخرى؟ الأمر بيد اليمنيين بكل تأكيد، وإذا أرادوا الاستفادة من العوامل المذكورة أعلاه، فهم ليسوا بحاجة إلى أموال الخارج على الإطلاق؛ بل لديهم كل المقومات والطاقات البشرية، عليهم فقط أن يوجدوا الإرادة، وأن يؤمنوا بضرورة وجود تراتبية في السلطة والقرار.