حسن السبع

حتى لا نضيف صفراً آخر!

أسوأ تناغم أو انسجام هو انسجام المسايرة، أو ركوب الموجة السائدة. تَلفَّتْ حولك وستجد نماذج للانسجام الذي لم يتشكل نتيجة إرادة واعية، بل هو انسجام من يقول: «سمعتُ الناسَ يهتفون فهتفت». و.. «رأيتُ الناسَ يصفِّقون فصفَّقت»! وهذا هو منطق المستَلَب، وتبعية المقلِّدِ للمقلَّد.حين يتحدث التربويون عن استقلالية الطفل يقدمون للآباء توجيهات على طريقة: دع طفلك يخلع ويرتدي ملابسه بنفسه. دعه يأكل بنفسه. دعه يشارك في تنظيف المنزل. اقتراحات تهدف إلى تنمية روح الاستقلال وتحمل المسؤولية. لكننا نادرا ما نجد اقتراحا يتعلق باستقلال التفكير. فقد تعودنا أن نقدم للطفل إجابات جاهزة باعتبارها خلاصة الحكمة، لا أن نطرح عليه أسئلة ونتركه يفكر معنا. نكمم فمه بالعبارة القائلة: «ما زلتَ صغيرا لا تفهم». ثم نصنع منه نسخة «طبق الأصل»، وبذلك نضيف صِفراً إلى بقية الأصفار، أو صوتاً آخر إلى «الجوقة»، سواء كانت جوقة سياسية أم ثقافية أم إعلامية. تصفَّحَ أحدُ النقاد ديوان شاعر شاب ثم سأله مداعبا: «وانته ما عندكش نوارس ليه يا ابني؟»! جاء سؤال هذا الناقد في مرحلة كانت النوارس فيها تملأ فضاء الدواوين. وكان الشاب يغرد خارج السرب الأدبي بمعزل عن الجوقة، أو بمعزل عن مفردات قاموسها الشعري المتشابه تشابها لا يساعد القارئ على تمييز هذا الصوت من ذاك. هنالك وَجْه شَبَه بين الشاعر الشاب والنورس جوناثان لفنجستون في قصة ريتشارد باخ الشهيرة. لم يكن جوناثان منسجما أو مهيأ للانسجام الأعمى، وفي حين كانت آلاف النوارس تعيش حياة عادية تزاحم بعضها بعضا، وتتقاتل من أجل الفتات، كان النورس جوناثان يتدرب على التحليق عاليا. فكان يرى ما لا يراه الآخرون.«أقدر النوارس على اكتشاف الأمداء البعيدة أقدرهم على التحليق عاليا»! والتحليق عاليا يعني النظر إلى الأشياء من زاوية مختلفة لا تخضع لأية وصاية. وهو ما لا يمكن تحقيقه دون أن ننحي جانبا كل ما يعترض حرية تفكيرنا من طقس أو خرافة أو قيد تتعطل بسببه الإرادة لتحل محلها التبعية والمسايرة.يخاطب النورس جوناثان نورساً آخر تحت التدريب فيقول: «جسدك كله من طرف الجناح إلى طرف الجناح الآخر ليس إلا تفكيرك في قالب تراه مجسدا أمامك. حطم قيود أفكارك تحطم قيود جسدك»! ويبدو أن في كل فرد منا تطلعات مشابهة لتطلعات ذلك النورس الجريء إلا أنها تقمع باكرا. إن عدم التناغم لا يعني رغبة في الاختلاف من أجل الاختلاف وحده، ولا يعني الانكفاء على الذات، وإنما يعني الرغبة في تأليف إيقاع جديد مختلف. إنه التضاد الإيجابي الذي يطرح البدائل وفق رؤية مختلفة. أي التضاد الذي يؤلف تناغما أو انسجاما جديدا أجمل وأبدع. يشير الزعيم الهندي مهاتما غاندي إلى انسجام آخر يختلف عن انسجام المسايرة والتبعية فيقول: «إن السعادة تكمن في ذلك التناغم أو الانسجام الحاصل بين أفكارك وأقوالك وأفعالك». أي بين عالمك الداخلي والخارجي، وهو أمر يتعذر تحقيقه حين يكون المرء رقما من الأرقام، أو دمية في مسرح العرائس، أو صدى لصوتٍ آخر. وبعد: من السهل أن تكون رقماً، أو ترساً في آلة ضخمة، أو عضواً في جوقة، أو أن تكون حُلمَ غيرك، لكن طريق التميز صعب وشاق، كما أن روح التميز وعقلية القطيع لا تجتمعان. * متخصص في الإدارة المقارنة