براجماتية القنافذ
يروي الكاتب البرازيلي باولو كويلو على لسان بطلة إحدى رواياته حكاية تقليدية شعبية ذات دلالة عميقة تقول: ماتت في العصر الجليدي حيوانات عدة بسبب البرد الشديد، فقررت قوارض الشَّيَاهِم (الشَيْهَم حيوان من فصيلة القنافذ) أن تتجمع لتتبادل الدفء والحماية، وتدرأ عنها خطر الموت. غير أن أشواك الواحد منها ظلت تنغرز في رفاقه اللصيقين به، وخصوصا تلك التي كانت تؤمّن الدفء فتفرقت، ومن جديد مات من البرد عدد منها. ثم اضطرت إلى الاختيار بين المجازفة والتعرض للانقراض، أو تَحمّل أشواك نظرائها. فاتخذت قرارا حكيما صائبا هو أن تحتشد. تعلمت أن تتعايش مع الجروح البسيطة التي أصابها بها أهلها، لأن الأهم هو البقاء الذي يحققه الدفء!البرد، في هذه الحكاية، هو العدو الحقيقي للقنافذ وبقية حيوانات العصر الجليدي، فهو يهدد وجودها. وكانت القنافذ أمام خيارين أحلاهما مرّ، إما تحمّل الوخز والجراح الصغيرة أو الانقراض. ولأن القنافذ قوارض حكيمة، فقد اتخذت القرار الصائب كما تقول الحكاية. العقلاء هم العملة النادرة في عالم تسوده العصبيات والصراعات. وإذا افترضنا أن الاختلافات هي الأشواك، فإن الاختلاف لا يشكل قلقا أو إزعاجا إلا لضيِّقي الأفق ومرضى العقول الذين يحوّلون الاختلاف إلى خلاف، والذين يريدون أن يجعلوا العالم نسخة مشابهة لهم. ولا يسبب الاختلاف «وخْزاً» إلا لمن يضيق بالتنوع والتعدد، مع أنه سر جمال هذا الوجود، ورافد من روافد ثرائه المعرفي والثقافي.عاشت قوارض الشَّيَاهِم في العصر الجليدي، والواقع أننا نعيش، الآن، عصرا جليديا في مشاعره. جليد يغطي العقول والضمائر. هو عصر الجليد والحرائق؛ حرائق الأطماع والمصالح، وجليد العواطف فكل شيء برسم البيع، وكل شيء خاضع لمنطق السوق بما في ذلك الحب. الدفءُ، في هذه الحكاية، يعني الحب رغم بعض المنغصات، وفي هذا العصر الجليدي تحتاج البشرية إلى دفء الحب حتى لا تنقرض. لكن الحب لا يتحقق إلا بالفهم، لذلك يقول إيليا أبو ماضي: «لا تطلبنَّ مودّةً من جاهلٍ/ المرءُ ليس يُحِبّ حتى يَفهمَا». إن تبادلَ النظرات، كما يرى الروائي الفرنسي انطوان دي سانت اكزوبري، ليس حبّاً، «إن الحب هو أن ننظر معا في اتجاه واحد». أي إلى هدف واحد مشترك. لكن النظر في اتجاه واحد لا يلغي أبدا الاختلاف، خصوصا الاختلاف الذي يخدم الهدف المشترك، أو يضيف لبنة إلى البناء الكبير. وليس الخلاف المدمر الذي يشعل الحرائق، ويقود في نهاية المطاف إلى الفَناء، ويكتوي بناره الأبرياء.كانت شَياهِم أوربا أكثر براجماتية من غيرها، فبعد حروب إقليمية طويلة طاحنة، وحربين عالميتين ضاريتين، استطاعت أن تعلو على جراحاتها، وأن تتحرر من فوضى الماضي، وتراهن على المستقبل، وأن تخطو، رغم اختلاف لغاتها ومرجعياتها الثقافية، خطواتٍ حثيثةً في اتجاه تحقيق وحدتها، رافعةً شعاراً يلخص فلسفة الاتحاد الأوربي هو: «متحدون في التنوع». يشكل الاتحاد الأوربي، اليوم، قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية هائلة. ويتيح لأعضائه حرية التنقل والاستثمار والإقامة والانتخاب والترشح. في المحيط العربي، وفي ظل الثقافة الراهنة، تبدو «حكمة الشَّيَاهِم» أمنية عصية التحقق بعيدة المنال، ما لم تشرق شمسُ ثقافةٍ جديدة تعزز قيمة التنوع بوصفه عاملَ ثراء ثقافي، وتزيل من الرؤوس حب الهيمنة والاستئثار، ومن الذاكرة الثارات والعصبيات، وتنفض ما علق في الأذهان من المفاهيم التي تكرس الانقسام. * متخصص في الإدارة المقارنة