العدوى
يقول الجاحظ:«ربما سمع احدهم ممن لا معرفة عنده ولا تحصيل له ان الزنادقة ظرفاء وانهم عقلاء وان لهم البصائر في دينهم والبذل لمهجتهم وان هناك علما وتمييزا وانصافا وتحصيلا فينزو نحوهم نزو المهر الارن ويحن اليهم حنين الواله العجول ويتصبب فيهم صبابة العاشق المتيم ويرى انه اتهم بهم فقد قضي له بذلك كله".اغلب ملاحظات الجاحظ لا تزال تتنفس الحياة حتى الآن لانها ملاحظات لا تتعلق بالزمان أو المكان، بل تنطلق من ادراك النفسية البشرية وما يضطرب فيها من مشاعر.. ومن يقرأ كتابه "البخلاء" او يقرأ ما كتبه عن "عدوى الضحك" يعرف عمق تلك الملاحظات واستبطانها للنفس البشرية.العدوى الجسدية معروفة ولها طرقها في الانتقال من جسم الى آخر.. وقد حدد أحد الاطباء اسرع الطرق للعدوى حين قال: (القبلة هي أقصر الطرق للعدوى) وبودي هنا ان اطرح عليك السؤال التالي: لو كان هذا الطبيب أمامك الآن ترى ماذا ستقول له؟ هل يكفيك ان تجمع كل الهجاء الذي جاء في الشعر العربي وتصبه على رأسه؟.يقول القاموس: "عداه من علة أو خلق اكسبه مثل ما به من علة أو خلق".عدوى الجسد لون واحد اما عدوى الروح او الوجدان فهي متعددة الالوان.. فقد تكون خضراء مثل حقل حين يعديك شاعر برقة مشاعره او فيلسوف بعمق ادراكه او عالم بتغيير نظرتك الى الاشياء.. بحيث تتولد من هذه العدوى ما يسمونها "روح العصر".روح العصر معناها في العالم الجمالي هيمنة عنصر من العناصر الحياتية على العناصر الاخرى.. مثل هيمنة "الفقد" على الشعر الجاهلي.. او "اللهو" على الشعر العباسي أو "القلق" والتمزق على الشعر الحديث.وقد تكون العدوى سوداء يغزو ظلامها الفكر فيحجبه عن المعرفة ويجعل الظلام في عينه نهارا كما قال الجواهري: (ظلمات الليل في عين حالم أضواء) وهذا ما هو مهيمن في وقتنا الحاضر، حيث يسود "التقليد" على آلاف الشباب.لقد قيل قديما: (وكل قرين بالمقارن يقتدي) فهل حددت قرينك؟ وهل عدواه ظلام أم ضياء؟ قل لي بدون خجل أو زيف.