فهد الخالدي

المواطنة.. تكون حازمة أيضاً

المواطنة من القيم التي يجمع عليها الأمم والأفراد، ولا يستطيع أحد أن ينكر أهميتها وضرورتها، لكن الاختلاف الذي يمكن أن يحصل يكون بالانتقال بهذه القيمة المطلقة، والتي لا تخفى أهميتها وأولويتها من التنظير إلى التطبيق والالتزام، وهذا الالتزام يمكن ملاحظته في سائر الأحوال من خلال السلوك وردّات الفعل على المواقف والأفعال، وهي إن كانت في أوقات السلم ممكنة القياس والتحقق إلا أنها في أوقات الشدة أكثر قابلية وقدرة على معرفة مدى الالتزام بهذه القيمة قولاً وعملاً. وبالتأكيد فإن الفترة الماضية وخلال عاصفة العزم كانت بالنسبة للمواطن السعودي فترة اختبار اجتازها المواطنون والوطن بكل نجاح، بل وتفوق يرقى إلى مرتبة الشرف، فالمواطن مقاتلاً في صفوف العاصفة بلغ مرتبة الشهادة وهي شرف لا يدانيه شرف، كما ضرب المواطنون العاديون المثل رجالاً ونساءً في الوقوف خلف القيادة أولاً وخلف أبنائهم المقاتلين ثانياً؛ مواقف أذكت الروح المعنوية وجعلتها تبلغ عنان السماء، فهذا والد جندي شهيد في نجران لم يجزع لشهادة ولده بل يواجه معزيه قائلاً: إن له سبعة أخوه نذرتهم كلهم للجهاد في سبيل الله ذوداً عن وطنهم وحماية لأرض الحرمين وسمائها من العدوان، وهؤلاء الجنود المتقاعدون بالعشرات يطالبون أن يعودوا إلى وحداتهم مقاتلين.. وقبل ذلك كله، يواجه السعوديون جميعاً الموقف بثبات منقطع النظير.. هدوء يسكن عين العاصفة، فالوطن بخير أرضه وسماؤه وماؤه، والحياة في المدن والقرى عادية وطبيعية لا يؤثر فيها شائعات ولا تهديدات، ولا يساور أحد الشك في أن الوطن أقوى من أعدائه لأنه على حق ولأن أبناءه جميعاً تجمعهم محبته والولاء له.. تجمعهم المواطنة التي لا تعرف قبلية ولا جهوية ولا طائفية؛ الكل مواطنون منتمون في ساعة الشدة تكشف المواقف معدنهم الأصيل، يخيبون بصدق مواطنتهم آمال من راهنوا على الفرقة والاختلاف، فالعاصفة السعودية الحازمة ليست موجهة لأحد بسبب انتماءاته العرقية أو المذهبية، ولا حتى القطرية، إنما هي ضد الظلم والاعتداء والفوضى، وهي فزعة شقيق استجاب لنداء شقيق، ورد لطائفة باغية، صدق قوله –سبحانه وتعالى- فيها «فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي...». الثبات والهدوء في عين العاصفة كان مفاجأة ليست أقل من مفاجأة العاصفة نفسها، خاصةً عند هؤلاء الذين ظنوا الموقف السعودي لا يعرف إلاّ الحكمة والصبر والروية، ففاجأهم الحسم والعزم.. فاجأهم الجندي السعودي في ساحات القتال.. وفاجأهم المواطن بسكونه وهدوئه وصدق مواطنته في ساحات الوطن من أقصاه إلى أقصاه.. الطلاب والمعلمون منتظمون في مدارسهم والأسواق عامرة بروادها.. والمساجد بالمصلين والمصانع بالعمال والدوائر بالموظفين... كل ذلك أن المواطنة كما يعرفها السعوديون هي كما ينبغي أن تكون عملاً في الميدان قبل أن تكون قولاً على اللسان.. ولذلك يمكن لكل منا أن يقول بكل ثقة واطمئنان.. ارفع رأسك.. أنت سعودي.* أكاديمي وباحث تربوي واجتماعي