الحزم العربي ضرورة
عاصفة الحزم التي تبنتها المملكة العربية السعودية ودول التحالف التي أخذت على عاتقها مهمة الوقوف مع الشرعية في البلاد اليمنية وإعادة الأمور إلى نصابها، وما تضمنه ذلك كله من الوقوف في وجه فئة قليلة ضمن النسيج اليمني تعتقد واهمة أنها بعقلية الميليشيات وبتفكير الأيديولوجيا القاصر وبدعم القوى الإقليمية التي تسعى إلى الهيمنة على المنطقة ومحو كل صله للعرب بالرئاسة والريادة. أقول: إن كل ذلك الفعل الممانع لكل هذا التخريب تجاوز مرحلة الإمكانية إلى التبلور، وأصبح فعلا ماثلا للعيان سيسجل في تاريخ العرب وصراعهم مع القوى الطامحة للنفوذ والتفوق. وهو في هذه المرحلة، قد اتخذ شكل الفعل العسكري في المسألة اليمنية، ومن المتوقع مع تبلور صورة عامة لقوة عربية أن تصبح لدى العرب عامة مساحة أرحب من الخيارات العسكرية والسياسية لحل ما يطرأ من معضلات هنا أو هناك في ثنايا الجسد العربي العام، هذه التصورات هي الأمل والطموح المستقبلي والمبني على حقائق ومتغيرات تشهدها المنطقة والعالم، إلا أن نتائجها تحتاج إلى بعض الوقت، وفي انتظار عناصر أخرى لكي تنضج بالطريقة الملائمة وهي في تقديرنا: أولا، استقرار الأوضاع في اليمن وعودة الشرعية لممارسة السلطة بشكل طبيعي على كامل الأرض اليمنية. ثانيا، توافق الرأي العام العربي عبر مؤسسة الجامعة العربية على قيام القوة العربية المشتركة التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة بما يعني أنها أصبحت ضرورة ملحة. ثالثا، القبول العربي والإقليمي الدولي والإسلامي بهذه المنطلقات يعطي الكثير من المسوغات ليشهد العالم مرحلة يكون فيها الحزم العربي الجماعي أمرا ممكناً بل ضروريا في بعض الأحوال. وأركز على النقطة الأخيرة هذه، بمناسبة مهمة وهي أنه في الأسبوع قبل الماضي الجمعة ٣ ابريل ٢٠١٥م، استعرضت في هذا الموقع تطلعات الأشقاء في ليبيا للاستفادة من بواكير الحزم العربي، وأمل الكثير منهم إلى الاستفادة من هذه الخطوات العملية والتقدمية جدا في مضمار العمل العربي والدولي المشترك لإيجاد حل لمعضلات الأمن والسياسة والإرهاب والتدخل الخارجي في البلاد الليبية، هذا من جانب. أما من الجانب الآخر، فحدث أن تزامن كل ذلك مع تصريح للسيد مبعوث الأمين العام إلى ليبيا الدبلوماسي الإسباني/برناردينو ليون ونشر التصريح في ذات التاريخ وفي نفس العدد وتحت عنوان عريض يقول: مبعوث أممي يستبعد تكرار «عاصفة الحزم» في ليبيا. من هنا، جاءت تساؤلات بعض الأصدقاء والمهتمين بموضوع عاصفة الحزم وتطوراتها، وإمكانية تمظهرها كحدث عربي فريد في مناطق ومواقع أخرى في الوطن العربي، تشهد حالات من النزاع والصراع وانتشار حالات الانفلات ونمو جماعات العنف والإرهاب. ولقراءة المشهد وتوضيحه بشكل مناسب، يجب القول: إن الجميع يتفهم ما ذهب إليه السيد ليون من أن المجتمع الدولي يتطلع إلى عمل أو حل سياسي في ليبيا، بناءً على الاجتماعات الشاقة والمضنية التي يقوم بها الليبيون في بروكسل والجزائر والقاهرة، والجانب العربي أيضا يتفهم ذلك، ويتمناه ولا يدعو إلى الحل العسكري في ليبيا مباشرة كما حدث في الحالة اليمنية، ولكن تنفيذ عملية الحزم عسكرياً في اليمن بالتأكيد سيولّد زخماً سياسيا ودافعا معنويا للتوصل إلى حلول سياسية فيما يتعلق بالمسألة الليبية.الأمر الآخر، الذي من المعتقد أن يكون، للجانب العربي مستقبلا، قول مباشر فيه بعد الاستئناس برأي غالبية أهل ليبيا ومن بيدهم الشرعية. إن عمليات الحوار واللقاءات بين الفرقاء الليبيين طالت ربما إلى حد أكثر من المعقول، حتى غدت تلك اللقاءات مثار غضب وحنق لدى المواطن الليبي الذي يفتقد أبسط مقومات الحياة.بعبارة أخرى، إن ثمن هذه المراوحات والحوارات التي لم تسفر حتى الساعة عن حلول ملموسة في حياة الناس، لها ثمن اجتماعي وأمني وإنساني مدمر على بنية الحياة هناك. الأخطر من ذلك في تقديرنا، أن نمو بؤر وتجمعات العناصر الإرهابية والتنظيمات الخارجة على القانون والتي تريد إعادة ليبيا إلى عصور متأخرة لا تعرف معها طعما للاستقرار والديمقراطية وحقوق الإنسان تتوالد على الأرض الليبية بصورة مرعبة، وتبعا لبعض التقارير الأمنية الموثوقة فإن أعداد هذه الجماعات والمنضوين إليها بلغ نسبا متقدمة، وإن تجارة السلاح تشهد ازدهارا منقطع النظير، وإن أعداد من يمارسون هذه المهنة كتجار مشهورين يقدر بالمئات! جميع هذه المعطيات، تمكننا من القول وبثقة عالية أن الحزم العربي يجب أن يكون ممكناً بشقيه السياسي والعسكري كأحد خيارات مستقبل هذه الأمة.* مستشار وباحث في الشأن الدولي