يبدو أن الكاتب والمنتج التلفزيوني الأمريكي ديفيد إكيلي قد استثمر مُخيِّلته الخصبة بعد المرحلة الثانوية في خدمة الإبداع، بدلا من اختراع الأعذار. لذلك أحرز تلك النتائج الباهرة في مجال الانتاج والكتابة يقول كيلي: "قال لي أحد أساتذتي في المرحلة الثانوية إن لدي مُخيِّلة ممتازة إذا ما تعلق الأمر باختراع الأعذار".
وفي حياتنا مشاجب كثيرة تُعلَّق عليها الأخطاء، نتنصل من المسؤولية، ونضعها على أقرب مشجب نصادفه. ومع أنه لا علاقة لي بكرة القدم، إلا أن بالإمكان استعراض بعض مبررات الخسارة الناتجة عن انخفاض مستوى الأداء والمعروفة حتى لأمثالي ممن ليس لهم في هذا الشأن ناقة ولا جمل. من تلك المبررات سوء أرضية الملعب، وسوء توقيت المباراة، وانحياز الحكم للفريق الآخر، وكون الفريق لا يلعب على أرضه وبين جمهوره. هذه بعض الأعذار الواضحة، وربما تخيل بعضهم قوى خارقة تدخلت فغيرت موازينَ اللعبة. وتلك مسائل معقدة لا يعرفها إلا ضاربو الودع، وخبراء الشعوذة.
وعلى سبيل الدعابة أقول: حتى الحب دخل قفص الاتهام، وأصبح مشجبا يُعلَّق عليه الفشل العاطفي. فيقال "يقطع الحب وسنينه". بل إن هنالك أغنية بهذا العنوان. وهي مغالطة فنَّدتها أم كلثوم في إحدى أغانيها بقولها: "العيب فيكم يا في حبايبكم.. أما الحب يا روحي عليه".
ومن المشاجب التي استخدمت حتى بَلِيت مشجب الخصوصية الاجتماعية والثقافية، ومشجب العادات والتقاليد التي تقف عائقا دون العيش بشكل يتناغم مع روح العصر، وظروف ومتطلبات الحياة الحديثة. وفي الستينيات من القرن الماضي اتخذت "المعركة" مبررا لتكميم الأفواه الداعية إلى أية مراجعة نقدية للذات، فرفع شعار يقول: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ولم تكن هنالك معركة أساسا. أو أن المعركة المزعومة بكماء ولا صوت لها. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى مشجب المؤامرة، حيث توجد دائما يدٌ خفية وراء كل مشكلة، يدٌ شغلها الشاغل صناعة "المقالب" الحضارية والثقافية والسياسية. هكذا تعلق تلك العقلية أزماتها على ذلك المشجب، لتلقي بالمسؤولية في مرمى طرف آخر، وتتجاهل العامل الذاتي المسبب للمآزق والإخفاقات، والذي يلخصه المثل القائل: "يداك أوكتا وفوك نفخ"!
وإذا تجاوزنا هذه الأمثلة إلى ما هو أكثر اتصالا بالمأزق الفكري والثقافي الذي يحول بين المجتمع العربي واللحاق بركب المجتمعات الحديثة، فالمشاجب كثيرة. ويمكن الاستشهاد في هذا السياق بما جاء في حوار مع جورج طرابيشي أجراه عاصم الشيدي لمجلة (نزوى) العمانية. في هذا الحوار يشير طرابيشي إلى تفكيكه لبعض الشواهد التي اعتمد عليها محمد عابد الجابري في "نقد العقل العربي". فالجابري يشير إلى غزو ثقافي خارجي أعاق انطلاقة ذلك العقل، في حين يحمّل جورج طرابيشي العقل العربي مسؤولية الانكماش أو الانكفاء الذاتي، وبالتالي فهو يراهن على ذلك العقل كي ينتفض على نفسه، ويعيد تأسيسها من جديد.
لو ساد في مجتمعاتنا العربية التفكير بصوت مسموع، وسُمّيت الأشياء بأسمائها، لما أُهدِرت سنوات طويلة في الحوم حول المشاكل دون ملامستها، ولما أعاد الماضي نفسه بكل أخطائه وإخفاقاته. الذرائع والأعذار مجرد مسكِّنات مؤقتة لا تغير واقع الحال. ما يغير واقع الحال هو مراجعة نقدية شفّافة تشخّص الداء وتصف الدواء، وتعلن نتائج التشخيص بصوت واضح مرتفع. فالشيطان لا يكمن في التفاصيل، بل في المسكوت عنه.