كلما شاهدتُ لقاء تلفزيونيا مع ضيف له ثقله الفكري والثقافي، تمنيتُ على مقدم البرنامج أن «يركد» قليلا، ويراعي أصول الضيافة الثقافية فيعطي الضيفَ الوقتَ اللازم للإجابة عن أسئلته التي غالبا ما تظل معلقة. بعضهم يئد الفكرة في مهدها، فيقاطع ضيفه منتقلا إلى سؤال آخر قبل اكتمال الإجابة. قد يكون ذلك مقبولا في بعض برامج الحوار الصاخب المتوتر التي لا تصنع رأيا، ولا تشكل وعيا. وربما جاز ذلك في برامج الكاميرا الخفية العربية، حيث المقصود استفزاز الضيف وإغضابه، ليتصرف بعصبية، وهو المطلوب تحقيقه في مثل تلك البرامج الرثة. لكن تلك الهرولة ليست لائقة، البتة، إذا كان البرنامج جادا، وكان لحضور الضيف أهمية بالغة لدى المشاهد الذي ما تسمَّر أمام الشاشة إلا ليصغي إليه وحده.
لا بأس في أن يكون مقدم البرنامج مبادرا وحيويا، وأن يضيف من حين إلى آخر إضافة ذكية تثري الموضوع، لكن التظاهر بالمعرفة واستعراض القدرات، وكذلك الحيوية المفرطة أشبه بكمية الملح الزائدة التي تفسد الطبخة. فلا يمكن أن يكون المذيع حِرَفيا إذا لم يحسن التوقيت، ولا يمكن أن يكون ناجحا إذا أصغى إلى ضيفه بنصف أذن وتكلم بأربعة أفواه
يبدو لي أن بعض مقدمي البرامج يتمثلون أثناء تأدية عملهم بالبيت القائل: «يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا/ نحن الضيوف وأنتَ ربُّ المنزل», وإذا كان هذا المعنى جائزا في مضارب البادية كتعبير عن كرم الضيافة، فإنه لا يستقيم في برنامج إذاعي أو تلفزيوني يتعذر فيه تبادل المواقع والأدوار. لذلك، يظل المذيع/الزوبعة الذي لا يجيد «فن الإصغاء» عاملَ تشويشٍ وإعاقة تحول دون تدفق أفكار محدثه. يقول جبران خليل جبران مؤكدا على أهمية الإصغاء: «أعطني أُذْناً أعطِكَ صوتا».. وأيا كانت طبيعة ذلك الصوت الذي يعَِدك به جبران، وسواء اتفقتَ أم اختلفت معه، فإن حسن الإصغاء رافد من روافد المعرفة.يبدو لي أن بعض مقدمي البرامج يتمثلون أثناء تأدية عملهم بالبيت القائل: «يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا/ نحن الضيوف وأنتَ ربُّ المنزل», وإذا كان هذا المعنى جائزا في مضارب البادية كتعبير عن كرم الضيافة، فإنه لا يستقيم في برنامج إذاعي أو تلفزيوني يتعذر فيه تبادل المواقع والأدوار.ليس الأمر حكرا على مقدمي البرامج وحدهم، فبعض مقدمي المحاضرات أو الندوات يقعون في أسر (المايك) فيسلكون الطريق نفسها. ذات مساء استضاف أحد النوادي الأدبية مثقفا معروفا ليلقي محاضرة بدتْ جذابة مغرية من عنوانها. بدأ مقدم الأمسية الهمام يقدم الضيف بكلمة عصماء (تنبأنا بعصمتها من رزمة الأوراق التي كانت بين يديه). انتظرنا طويلا، لكن كلمة مقدم الأمسية كانت «أطول من ليل الضرير».. نظر المحاضر إلى ساعته. وتثاءب أحدهم، فسرتْ عدوى التثاؤب بين الحضور. وبعد أن أطلق الرجل سراحنا من زنزانة كلمته الضافية الوافية، أذن للمحاضر أن يبدأ، وحدد له الوقت قائلا: «أرجو أن يتكرم أستاذنا الفاضل فيتقيد بالوقت المحدد كي نعطي فرصة للمداخلات»! عندئذ التفت المحاضر إلى مقدم الأمسية وقال بلهجة ساخرة: «لماذا لا تبدأ المداخلات الآن»! ضجت القاعة بالضحك.. وشر البلية ما يضحك.
ومن مداخلات تلك الأمسية ما يؤكد سحر المايك. فقد حضر أحدهم متأخرا، وكان المحاضر على وشك الانتهاء من محاضرته. ويبدو أن القادم الجديد لم يعرف من المحاضرة إلا عنوانها، لكنه لم يجد حرجا في طلب الميكرفون ليدلي بدلوه.. بدأ مداخلته التي لا علاقة لها بموضوع المحاضرة، بالثناء على المحاضر وعلى محاضرته القيمة، وهو لم يسمع من تلك المحاضرة ما يؤهله للتعليق عليها أو تقييمها! فهل يشكل الميكرفون إغراء إلى ذلك الحد، ولذلك قالوا: «مِينْ قدَّكْ.. والمايك في يدَّك»؟


