هذا على المستوى الأسري. وعلى مستوى آخر، فإن بعض المعارضات العربية لم تستطع استيعاب دورها المتمثل في المساندة والدعم والمشاركة في صنع القرار، ما لم تجد سببا وجيها للاعتراض أو التعطيل. الاختلاف في وجهات النظر بين قطبي الإدارة وارد، لكنه لا يصبح منتجا إلا إذا كانت غايته الوصول إلى القرار الأفضل الذي يحقق النفع العام.
في دوامة تبادل المواقع والأدوار في لعبة المماحكة والمكايدة والاختلاف تتعطل مشاريع نافعة، وتتوقف مصالح عامة. وهذا هو الفرق بين اعتراض وآخر؛ أي بين اعتراض يسعى إلى ما هو أفضل، واعتراض «مُعَطِّل»، أو في أحسن أحواله، «مُعِيق» للحركة، وقد يستبدل الكلمات بالكراسي أحيانا.
فالمسايرة والتوافق المزيف لا يؤديان إلى نتائج مثمرة. لكن الاستقلال في الرأي يتطلب مرتكزات من الوعي والاتزان والنضج وسلامة النوايا، وهنالك فرق بين المناورة والاختلاف المنتج الخلاّق، وبين الاختلاف وصناعة الاختلاف الرامية إلى التعطيل وتفريخ الأزمات، والصيد في الماء العكر، أو تعكير الماء للصيد فيه. من يتأمل حال بعض المعارضات العربية يستطيع أن يستنتج، دون عناء يذكر، أن من يستميت للحصول على موقع ما، بوسائل ملتوية، ولغة مراوغة، لا يمكن أن يكون هدفه خدمة المجتمع. فوق ذلك، فإن من هم خارج السلطة، ليسوا، دائما، أكثر إخلاصا ممن هم داخلها، لكنهم الوجه الآخر للعملة. تتغير لغة كل منهما حسب الموقع والدور، وما كان يأخذه أحدهما على الآخر، يمارسه حين تتغير الأدوار، وما كان يريد تمريره وهو ممسك بالسلطة، يحاول تعطيله وهو خارجها. وفي دوامة تبادل المواقع والأدوار في لعبة المماحكة والمكايدة والاختلاف تتعطل مشاريع نافعة، وتتوقف مصالح عامة. وهذا هو الفرق بين اعتراض وآخر؛ أي بين اعتراض يسعى إلى ما هو أفضل، واعتراض «مُعَطِّل»، أو في أحسن أحواله، «مُعِيق» للحركة، وقد يستبدل الكلمات بالكراسي أحيانا. فما هو سبب ذلك الوضع المتأزم؟ هل السبب هو حداثة العهد بالممارسة الديمقراطية، أم هو اعتداد بالنفس متوارث، قد تجاوز حَدَّه فتحول إلى حالة مَرَضية؟ إذا كان الشعر ديوان العرب، فلنتأمل بعض نصوصه للتعرف على ذلك المزاج المتصلب. يقول ديوان العرب: ما زال كل فريق يتشبث بالصدارة، ولسان حاله يقول: «لنا الصدر دون العالمين أو القبر».. ويقول: «ونشرب إن وردنا الماء صفواً.. ويشرب غيرنا كدراً وطينا»! ويقول: «وأنَّا لنْ يُقَوِّمَنا ثقافٌ.. ولا دُهنٌ إذا نحن التَوَيْنَا»! ويقول: «إذا ما غضبنا غضبةً مضريةً.. هتكنا حجاب الشمس أو قَطَرَتْ دما»! فهل يصعب على من تجري تلك الحماسة في دمه القبول بمبدأ تبادل الأدوار؟ وهل ما نشهده، هذه الأيام، هو امتداد لثقافة مازالت تسكن الذاكرة؛ ثقافة تعشق الهيمنة والانفراد باتخاذ القرار؟


