يُعد كتاب “الشركة المنتجة للمعرفة” (The Knowledge-Creating Company) للأستاذين اليابانيين إيكوجيرو نوناكا (Ikujiro Nonaka) وهيروتاكا تاكيوتشي (Hirotaka Takeuchi)، من الكتب الرائدة في إدارة المعرفة، بالاستفادة من تجارب الشركات اليابانية الرائدة في نهاية القرن الميلادي الماضي. ويفرق الكتاب بين المعرفة “الظاهرية” (Explicit) المدونة في الكتب العلمية والنظرية، والمعرفة “الضمنية” (Tacit) المكتسبة عن طريق التعلم بالممارسة، والتي يصعب تدوينها ونقلها خارج سياقها وظروف اكتسابها.
وتم، عبر السنوات، تطوير عدد من الوسائل والتقنيات لمساعدة المؤسسات في تبني إدارة المعرفة بالشكل الأمثل. وفي عام 2011م صدر كتاب “الميزة الجديدة في المعرفة” (The New Edge in Knowledge)، وهو من إصدارات منظمة APQC المعنية بمجال إدارة المعرفة، ومن تأليف رئيستها السابقة كارلا أو’Dيل (Carla O’Dell) وزميلتها سيندي هيوبرت (Cindy Hubert). ويقدم الكتاب وسائل عملية لتدوين المعرفة الضمنية، مثل التأكد من جعلها جزءًا من الإجراءات في إنجاز الأعمال (In the Flow)، وليس عملاً إضافيًا مستقلاً (Above the Flow)، حيث إن الأخير يؤدي إلى التقاعس وعدم إنجازه عادة. كما ساهمت تقنيات التطبيقات الشبكية، أو ما يطلق عليه “ويب 2” (Web 2.0)، مثل ويكيبيديا وما يشابهها من منصات تشاركية، في تدوين المعرفة وتحديثها والبحث عنها بسهولة. ويشير الكتاب إلى أهمية الاستفادة منها وصناعة “مجتمعات ممارسة” (Communities of Practice “CoP”) داخل المؤسسة لتبادل المعرفة والنقاش حولها وتدوينها.
من أهم المجالات لتطبيق إدارة المعرفة تدوين الدروس المستفادة (Lessons Learned) بعد انتهاء المشاريع، وهو ما يطلق عليه أحيانًا “تشريح” المشروع (Project Post-Mortem)، وهو استعارة من المجال الطبي. لكنه يحتاج إلى وقت إضافي من قبل الخبراء لجمع ملاحظاتهم وتدوينها وتنقيحها، وقد يلجأ بعضهم إلى عمل الحد الأدنى الممكن. ونجد أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تستطيع تقديم دور محوري في تطوير هذه الإجراءات، فهي تستطيع استخلاص المعلومات ذات العلاقة من وثائق المشروع والتحديثات الخاصة به، إضافة إلى المراسلات، بما فيها رسائل البريد الإلكتروني، ودعوات الاجتماعات المتعلقة بهذا المشروع، دون جهد إضافي كبير من الخبراء. ومن ثم بإمكان هذه النماذج توليد مسودات لتدوين المعرفة المتراكمة من المشروع المحدد، وأهم الدروس العملية المستفادة، وما يمكن تطويره، مع المقارنة بالإجراءات المتبعة وما يمكن تحسينه منها لتجنب أوجه القصور وتعظيم الفائدة. وأتوقع أن تتم مراجعة أدبيات إدارة المعرفة في ضوء هذا التقدم التقني.
خلاصة، في تقديري أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي ستسهم بشكل عظيم في إنجاح الهدف من إدارة المعرفة، والاستفادة من وقت الخبراء في المؤسسات لمراجعة وتنقيح المعرفة المدونة من قبل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو من وجهة نظري أسهل وأكثر سلاسة من العمل على تدوينها بشكل مستقل، مع التأكيد على أن تكون هذه النماذج التوليدية داخلية في المؤسسة للمحافظة على أسرارها وحماية ملكيتها الفكرية وما طورته من معرفة متراكمة.
@AlQurtas



