يسافر البعض إلى الخارج وهو يردد الحكمة القديمة: **«في السفر سبع فوائد»**، ولكن من وجهة نظري قد تتحول هذه الفوائد في بعض الحالات إلى أعباء عندما يكون السفر فوق الإمكانات المادية، فيترتب عليه استنزاف للمدخرات أو العودة بأعباء مالية، وقد يتعرض بعض المسافرين إلى مواقف أو مشكلات كانوا في غنى عنها. كما أن رب الأسرة، ومن دون أن يشعر، قد يجعل السفر السنوي مطلبًا ثابتًا لأسرته بعدما اعتادوا عليه، فيصبح من الصعب الاستغناء عنه مستقبلاً.
ولا يختلف اثنان على أن السفر قد يكون ممتعًا ومفيدًا، سواء للترفيه أو لاكتساب الخبرات أو التعرف على ثقافات جديدة، لكن المشكلة تكمن في أن يحمل الإنسان نفسه ما لا تطيق، فيقترض من أجل توفير متطلبات رحلة لا تتناسب مع دخله، ثم يعود ليواجه التزامات مالية جديدة قد تؤثر في استقرار أسرته. وهنا يبرز التساؤل: أليس من الأفضل أن يعيش الإنسان وفق قدراته المالية، بعيدًا عن التقليد وحب المظاهر؟
وأين السياحة الداخلية؟ فلو اختارت الأسرة قضاء إجازتها في مكة المكرمة، أو المدينة المنورة، أو الطائف، أو أبها، أو غيرها من المدن السياحية الجميلة في المملكة، لاستمتعت بإجازتها، ووفرت جزءًا كبيرًا من نفقاتها، واستفادت مما تتميز به بلادنا من أمن واستقرار وتنوع سياحي، إلى جانب المحافظة على العادات والقيم الأصيلة.
لقد أصبح السفر عند البعض أشبه بالموضة، كما كانت تنتشر في فترات سابقة بعض الظواهر الاجتماعية التي سارع الناس إلى تقليدها. ومشكلتنا أحيانًا أننا نقلد الآخرين دون النظر إلى ظروفنا، فنردد: لماذا يسافر فلان ونحن لا؟ مع أن الناس يختلفون في إمكاناتهم وظروفهم، وليس من الضروري أن يقضي الجميع إجازاتهم بالطريقة نفسها.
إن الاستمتاع بالإجازة لا يرتبط بالسفر إلى الخارج، فقد يجد الإنسان في السياحة الداخلية أو في قضاء الوقت مع أسرته وأقاربه متعة لا تقل عن أي رحلة خارجية، وربما تفوقها في بعض الأحيان.
يكفينا تقليدًا، ويكفينا هدرًا للأموال في ممارسات لا تتناسب مع إمكانات بعض الأسر. فمن حق الإنسان أن يسافر ويستمتع متى ما كانت لديه القدرة المالية التي تمكنه من تحمل تكاليف الرحلة دون أن يؤثر ذلك في ميزانيته أو احتياجات أسرته. أما حديثي هنا فهو عن الأسر التي تضطر إلى الاقتراض وتحمل أعباء تفوق طاقتها من أجل الظهور بمظهر لا يعكس واقعها، ثم تعود لتواجه أزمات مالية كان بالإمكان تجنبها.
وللأسف، أصبح البعض ينظر إلى السفر السنوي على أنه من الضروريات، رغم أن ظروفه المادية قد لا تسمح بذلك، بينما كان الناس في الماضي يقضون إجازاتهم داخل المملكة، في مدنها السياحية الجميلة، وقد أخبرني أحدهم أن والده – رحمه الله – عاش حياة سعيدة، ورحل عن الدنيا دون أن يستخرج جواز سفر أو يغادر هذا الوطن الغالي، ومع ذلك لم يشعر يومًا أنه فاته شيء من متع الحياة.
*وقفة :
قبل ترحل وتنسى الدار والديرة
أبي نظرة تساعدني على فرقاك



