في كتابه الشهير «التفكير، بسرعة وببطء»، يوضح عالم النفس دانيال كانيمان، أن عقولنا تمتلك «نظامًا سريعًا» يحب الأحكام الجاهزة لتوفير الجهد الذهني. لكن الحكمة الحقيقية تتطلب منا تفعيل «النظام الثاني»، أي التوقف قليلًا قبل إصدار الأحكام. خذ مثلًا مرض «الفصام»، فهو يصيب نحو 1% من سكان العالم، وقد يعاني المصاب به من هلاوس تجعله يتصرف بطرق نراها «غريبة» أو «غير منطقية»، بينما يعيش واقعًا مختلفًا يفرضه عليه مرضه. أليس من الظلم أن نحول «عرضًا مرضيًا» إلى «تهمة» أخلاقية؟
تأملوا في رواية «البؤساء» لفيكتور هوجو؛ كيف حُكم على جان فالجان بأنه «مجرم» بناءً على فعلته الأولى، متجاهلين الفقر والظروف القاسية التي دفعته إلى ذلك. كم من شخص نحكم عليه اليوم وهو في الحقيقة يخوض صراعًا يوميًا مع ألم لا يراه أحد؟
إن التحول من «الحكم» إلى «الرحمة» لا يعني تبرير الخطأ، بل يعني أن ندرك، مع الفيلسوف مونتين، أننا كبشر لسنا قوالب ثابتة، بل نتاج تقلبات الحياة. فالتواضع في إصدار الأحكام يحررنا من غرور امتلاك الحقيقة، ويمنح الآخرين مساحة لالتقاط أنفاسهم.
في المرة القادمة، قبل أن يندفع لسانك بحكم ما، اسأل نفسك: هل أرى الواقع، أم أرى انعكاس توقعاتي؟ استبدل الحكم بالفضول، والاستنكار بالسؤال. وتذكر دائمًا أن خلف كل وجه عابس قصة تستحق، قبل كل شيء، الاحترام.
[email protected]



