منذ أن رفع رأسه أول مرة نحو الليل، كان رفيق المسافرين، وسراج العاشقين، وصديق الوحدة حين يضيق المكان وتتسع المسافات.
كم من عينٍ تعلقت به وهي تبحث عن أمنية، وكم من قلبٍ أودع ضوءه سرًّا لا يقال.
كان بعيدًا بما يكفي ليوقظ الشوق، وقريبًا بما يكفي ليمنح الأمل.
كلما ظن الناس أنهم عرفوه، أطل عليهم بوجه جديد، كأنه يخبئ في بياضه ألف حكاية وحكاية.
في بعض الليالي، لا يبدو القمر في السماء، بل في الداخل، يولد في الروح حين يشرق الفرح، ويكتمل حين تكتمل الأحلام.
هناك أقمار لا تُرى بالعين، لكنها تضيء العمر كله.. كلمة صادقة، ووجه أم، ويد صديق، ونجاح جاء بعد طول انتظار.
حين يصل الإنسان إلى ما كان يظنه مستحيلًا، يشعر وكأن القمر استقر على كفه. لا لأنه امتلكه، بل لأنه امتلك الطريق إليه.
الأحلام لا تكافئ أصحابها بالوصول وحده، تكافئهم بالرحلة التي تصنع منهم أشخاصًا آخرين أكثر صبرًا، وإيمانًا، وأكثر قدرة على رؤية الضوء وسط العتمة.
ما أجمل أن يحمل المرء قمره الخاص، أن يمشي بين الناس وقلبه مضاء، وأن يحتفظ بفسحة من الدهشة مهما تقدمت به السنوات.
العمر الذي يخلو من حلم، يشبه ليلًا بلا قمر، والإنسان الذي يفقد دهشته يفقد شيئًا من روحه.
لا تنظر إلى القمر باعتباره بعيدًا في السماء.
انظر إليه باعتباره وعدًا بأن لكل ظلام نهاية، ولكل انتظار موعدًا، ولكل قلبٍ متعب نافذةً من نور.
عندما تأتي لحظة الفرح التي انتظرتها طويلًا، ستدرك أن القمر لم يكن هناك في الأعلى فحسب، بل كان طوال الوقت ينمو بهدوء على كفك.
نهاية:
القمر أهزوجة في الروح، وضوء لا يرتحل.
[email protected]



