ومن هنا يبدأ السؤال الذي رافق الإنسان منذ القدم: لماذا نحلم؟
يحلم الإنسان لأنه خُلق وفي داخله رغبة دائمة في الوصول إلى شيء أبعد مما يملكه. فالأحلام ليست مجرد أمنيات عابرة، بل محاولة مستمرة لمنح الحياة معنى وسط هذا الركض الطويل. نحلم بالنجاح لأننا نخشى الفشل، ونحلم بالطمأنينة لأن القلق أنهك أرواحنا، ونحلم بحياة أفضل لأن الواقع كثيراً ما يأتي بعكس توقعاتنا.
وفي الوقت نفسه، تبدو الأحلام أحياناً ملاذاً أخيراً للهاربين من خيباتهم. فبعض الناس لا يملكون سوى أحلامهم؛ يعلقون عليها ما تبقى من أمل، ويواصلون السير فقط لأن هناك هدفاً بعيداً يضيء لهم العتمة. ولهذا، يصبح الحلم ضرورة نفسية أكثر من كونه رفاهية، وكأن الإنسان لا يستطيع العيش طويلاً دون شيء ينتظره في المستقبل.
لكن الأحلام ليست دائماً مشرقة كما تبدو. فكل حلم كبير يحمل في داخله خوفاً خفياً من عدم الوصول. ومع مرور الوقت، قد تتحول الأهداف إلى عبء ثقيل يرافق الإنسان أينما ذهب؛ فيطارده شعور التقصير، وتؤلمه اتساع المسافة بين ما يريده وما يعيشه بالفعل. وربما لهذا السبب تبدو بعض الأحلام جميلة في بدايتها، لكنها مرهقة في تحقيقها.
ورغم ذلك، لا يتوقف الإنسان عن الحلم. ففي عالم يمتلئ بالخيبات والضغوط، تبقى الأحلام الشيء الوحيد القادر على إبقاء القلب حياً. إنها المساحة التي يختبئ فيها الأمل، حتى وإن كان هشاً، والنافذة التي ينظر منها الإنسان إلى نسخة أفضل من حياته، ولو كانت بعيدة المنال.
ويبدو تحقق بعض الأحلام أشبه بلحظة نجاة بعد طريق طويل من التعب والانتظار. فعندما يصل الإنسان إلى ما ظل يتمناه بصمت، يشعر بأن قلبه امتلأ أخيراً بشيء من الطمأنينة، وكأن كل الخيبات السابقة كانت تقوده إلى هذه اللحظة تحديداً. وللإنجاز شعور لا يشبه شيئاً آخر؛ شعور خفيف ودافئ يجعل الإنسان يدرك أن الأحلام، مهما بدت بعيدة ومستحيلة، قد تتحقق يوماً لمن تمسك بها بما يكفي.
ولهذا نحن نحلم؛ لأن الحلم ليس هروباً من الواقع بقدر ما هو محاولة لفهمه وتجاوزه، ولأن الإنسان حين يعجز عن تغيير ما حوله، يمنحه الحلم مساحة ليعيد ترتيب داخله. نحلم لنستمر، ونحلم لنحقق، ونحلم لأن في داخل كل حلم صغير احتمالاً لحياة أكثر اتساعاً مما نعيش. ومع ذلك، يبقى الحلم في جوهره وعداً غير مكتمل، لكنه كافٍ ليجعلنا نواصل السير، وننتظر، ونؤمن بأن الغد قد يحمل ما لم يستطع الحاضر منحه.
[email protected]



