عندما بدأت تجربتي المهنية، كنت أتصور أن دوري سيقتصر على كتابة المحتوى ومتابعة التغطيات الإعلامية وصياغة الرسائل الاتصالية، وكنت أرى أن نجاحي المهني مرتبط بما يُنشر من أعمالي وما يظهر للجمهور من مخرجات تحمل بصمتي.
كان جزء من عملي يتمثل في رصد ما يُنشر عن المؤسسة، ومتابعة المحتوى الإعلامي، وتحويل المعلومات والإنجازات إلى مواد اتصالية تعكس الهوية المؤسسية ورسائلها. كنت أتعامل مع كل مهمة تُسند إليّ بجدية، لكنني اكتشفت مع مرور الوقت أن المحتوى الذي يصل إلى الجمهور ليس سوى المرحلة الأخيرة من رحلة طويلة تبدأ داخل المؤسسة، وأن خلف كل رسالة منشورة خطوات عديدة لا يراها أحد.
أدركت حينها أن الاتصال المؤسسي لا يبدأ من المنصات الإعلامية، بل من داخل المؤسسة نفسها؛ من وضوح الرسالة بين الإدارات، وتكامل الأدوار، وقدرة الجميع على العمل نحو هدف مشترك. فكل محتوى يُنشر هو نتيجة عمل جماعي يتجاوز الكاتب والمصمم والناشر إلى منظومة متكاملة من التنسيق والاعتماد والمتابعة.
ومن أكثر الدروس التي شكّلت وعيي المهني أن ليس كل ما ننجزه سيظهر للعلن. فقد كتبت محتوى كثيرًا وأعددت مواد متنوعة، لكن بعضها لم يُنشر أو لم يكن ضمن الأولويات النهائية. في البداية كنت أربط قيمة العمل بظهوره، لكن التجربة علمتني أن العمل المؤسسي تحكمه اعتبارات وأولويات تتجاوز الجهد الفردي مهما كان حجمه.
كما تعلمت أن المهنة ليست دائمًا كما نتخيلها في بداياتنا. فقد كنت أعتقد أن الفرص المهنية الأكثر قيمة هي تلك التي تمنح صاحبها مساحة أكبر للظهور، لكنني أدركت لاحقًا أن القيمة الحقيقية لا تكمن دائمًا في المهمة ذاتها، بل فيما تضيفه من معرفة وخبرة وفهم أعمق لطبيعة العمل.
ومع الأيام بدأت أنظر إلى التجربة من زاوية أخرى. فبدلًا من التركيز على الفرص التي لم أحصل عليها، أصبحت أكثر اهتمامًا بما اكتسبته بالفعل. تعلمت كيف أعمل ضمن الفريق، وكيف أتعامل مع الملاحظات والتعديلات المتكررة، وكيف أحافظ على جودة العمل حتى عندما لا يكون اسمي حاضرًا في النتيجة النهائية.
وخلال فترات العمل، أدركت أن العلاقات العامة ليست مهنة مكتبية هادئة كما تبدو للكثيرين، بل تتطلب المرونة وسرعة الاستجابة والقدرة على التكيف مع المتغيرات والعمل تحت الضغط. وفي تلك الفترات تتجلى أهمية الاتصال المؤسسي بوصفه أداة لتوحيد الرسائل وتنسيق الجهود وضمان انسجام العمل بين مختلف الأطراف.
وعلى المستوى الشخصي، كانت التجربة أكبر من مجرد وظيفة. لقد كانت رحلة تعلم حقيقية؛ تعلمت فيها أن الثقة المهنية لا تُبنى على حجم الإشادة التي نتلقاها، بل على ما نطوره في أنفسنا من مهارات وقدرات. كما تعلمت أن النضج المهني لا يتحقق بالحصول على جميع الفرص التي نطمح إليها، بل بالقدرة على الاستفادة من كل تجربة نخوضها.
وختاماً: أؤمن أن قيمة التجربة المهنية لا تكمن فقط فيما نحصل عليه من تقدير، بل فيما تتركه داخلنا من معرفة وخبرة ونضج. فبعض التجارب تنتهي بانتهاء مدتها، لكنها تترك أثرًا طويلًا في طريقة تفكيرنا ونظرتنا لأنفسنا ولمهنتنا. وهذا، بالنسبة لي، كان أعظم درس تعلمته خارج قاعات الدراسة.
[email protected]



