فمن جهة، ثمة من يُجسّد هذا الدور بامتياز؛ أشخاص يتسمون بلباقة في الحديث، ورحابة في الإجابة، وقدرة فائقة على انتقاء المفردات الملائمة لكل سياق وحدث. هؤلاء لا يكتفون بنقل المعلومة، بل يصنعون انطباعًا، ويبنون علاقة، ويعكسون صورة مشرّفة عن مؤسساتهم في كل تفاعل مهني.
ومن جهة أخرى، وهنا يكمن جوهر المفارقة؛ هناك من يحمل مسمى «مسؤول التواصل» دون أن يمتلك أدواته الأساسية، فتجده باردًا في الرد، ومتأخرًا في الاستجابة، ومشوّشًا في إيصال المعلومة، أو عاجزًا عن إدارة حوار مهني بسيط. والمشكلة هنا ليست كأي مشكلة؛ إذ لا يمكن أن يكون باب النجار مخلوعًا، وفاقد الشيء، كما هو متعارف عليه، لا يعطيه.
ولعل ما يُعمّق هذه الإشكالية أن التواصل ليس مجرد مهارة وظيفية معزولة، بل هو صميم العمل ومحوره الرئيس في هذا التخصص تحديدًا. فالقدرة على الاتصال الجيد، وبناء الأواصر المتينة، وإيصال المعلومة بوضوح، وتحقيق الهدف بالأسلوب المناسب في الوقت المناسب؛ ليست كماليات يُستحسن توافرها، بل هي الحد الأدنى المطلوب لمن يتصدر هذا الدور.
والأمر ليس ميؤوسًا منه؛ فالتواصل مهارة تُكتسب وتُصقل. فالتدريب المتخصص، والممارسة المتواصلة، والتعلم من التجارب، والانفتاح على التغذية الراجعة؛ كلها مداخل حقيقية للتطوير. ولا يخفى أن للتواصل أنواعًا يستدعي كل منها وعيًا مختلفًا؛ فالتواصل اللفظي يحمل طاقة إضافية في النبرة والإيقاع وتعابير الوجه، في حين يتحمل التواصل الكتابي عبء التعويض عن هذه الإشارات غير اللفظية، مما يستوجب دقة أعلى في اختيار الألفاظ، وضبط الأسلوب، وتقدير السياق.
وختامًا، عزيزي مسؤول التواصل؛ في كل مكالمة تُجريها، ورسالة ترسلها، واجتماع تحضره، أنت لا تُمثّل نفسك وحدك، بل تُمثّل مؤسستك بأكملها. فاحرص على امتلاك فنون التواصل وإتقانها، تجنبًا لسوء الفهم، وابتعادًا عن القرارات غير المستنيرة، وسعيًا لبناء علاقات راسخة تعكس صورة حقيقية ومشرّفة عن واقع منظمتك، وتترك في ذهن من تُخاطبه انطباعًا لا يُنسى. فأنت، قبل غيرك، لا يُعذر بالإخفاق في هذا الفن، لأن التواصل هو عنوانك المهني الأول والأخير.
@Abeerg_



