النسخة التي كانت موجودة قبل أن تبدأ آثار البشر بالتراكم فوقها طبقة بعد أخرى، كيف له أن يعرفها أصلًا؟ كيف له أن يتعرف على نسخة لم تُتح لها فرصة البقاء؟ شخصية لا تخصه حتى؟
نحب أن نؤمن أننا أفراد مستقلون، وأن شخصياتنا صناعة خاصة بنا، لكن كلما تأملت أكثر بدا لي الإنسان أقل استقلالًا مما يظن، وأكثر شبهًا بمتحف مزدحم بآثار البشر. فالإنسان لا يصنع الأثر أولًا، بل يُصنع بالأثر.
كل كلمة سمعها، وكل تجربة عاشها، وكل شخص مرّ بحياته، ترك شيئًا منه فيه، وأخذ شيئًا منه معه. فكم من الأشياء التي نسميها «شخصيتنا» ليست لنا كما نظن؟ كم رأيًا تظنه رأيك؟ وكم شعورًا تظنه شعورك؟ من أين جاء ذوقك؟ ومن أين جاءت مخاوفك؟
حتى اختياراتك التي تدافع عنها باعتبارها جزءًا من هويتك تحمل بصمات بشر آخرين. ففكرة سمعناها في طفولتنا، أو كلمة قالها معلم ذات يوم، أو موقف عابر مرّ بنا، قد يستقر في أعماقنا سنوات طويلة حتى نظنه جزءًا أصيلًا منا.
الإنسان يتأثر أكثر مما يعترف، بل ربما يكون التأثر هو جوهر وجوده.
وربما لهذا السبب لا أرى الأثر كما يراه الآخرون، لا أراه في التماثيل، ولا في الأسماء المنقوشة على صفحات التاريخ. أراه في الأشياء الأصغر من أن تُذكر، في كلمة بقيت، وفي ضحكة علقت، وفي جرح لم يندمل بالكامل.
ولهذا، حين نحاول تخيّل الإنسان خارج هذا كله، خارج الأثر، خارج البشر، يبدو كأنه يعود إلى شيء أبسط مما نحب أن نعترف به، بداية خام لم تُصقل بعد. فكل ما يتبقى حين تُسحب كل الأيدي التي شكّلته، ليس إلا مجرد استجابة للعالم، لا معنى معقد، ولا طبقات اجتماعية، بل محاولة للنجاة والبقاء، مما يجعلني أثق بأنها فطرة البشر.
لكن الغريب أن هذا الكائن البسيط لا يبقى بسيطًا طويلًا، فما إن يلمس البشر بعضهم بعضًا، حتى تبدأ الطبقات بالتكوّن من جديد.
وحتى أنا، حين أبحث عن نفسي، أجد أبي في بعض قراراتي، وأمي في بعض كلماتي، وأصدقائي في ضحكاتي، ومعلمتي في طريقة تفكيري، وأشخاصًا نسيت أسماءهم تمامًا وما زالت آثارهم حاضرة في داخلي.
ولهذا لا أستطيع أن أرى الإنسان إلا باعتباره أرشيفًا حيًا للآخرين، وطبعات جديدة لآثار قديمة، ومجموعة آثار متراكمة لبشر مرّوا من هنا.
ويبقى السؤال الأخير: من أنت؟ ربما لست إلا بشرًا.. وبقايا أثر.
[email protected]



