«العشوائيات» مفردة شائعة نراها كثيرًا في الآونة الأخيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتعني في البيئة الرقمية: تصوير الأشياء العادية وأحيانًا غير المألوفة والغريبة ونشرها وتداولها، كأن تلتقط صورة لك أثناء ذهابك إلى العمل في المصعد، أو توثّق كوبًا من القهوة احتسيته في يومك، أو تصور عبارة استوقفتك، أو مكتبك أثناء الدراسة، أو كتابك الذي تقرأه، وغيرها الكثير.
ما لفتني حقيقة أنني اطلعت على مجتمع للعشوائيات عبر منصة «إكس»، ويزيد عدد أعضائه على 150 ألف عضو، وأثناء تصفحي لمحتواه وجدت كمًا هائلًا من الصور والمشاهد اليومية التي قد تبدو للوهلة الأولى عادية للغاية، لكنها في الوقت ذاته تعكس نمطًا متناميًا من المحتوى الذي أصبح يحظى بقبول واسع وتفاعل كبير.
ومن منظور إعلامي، لا يمكن النظر إلى ظاهرة «العشوائيات» باعتبارها مجرد صور ومنشورات متفرقة، بل بوصفها انعكاسًا لطبيعة البيئة الرقمية التي أتاحت لكل فرد أن يكون منتجًا للمحتوى وناشرًا له في الوقت ذاته. فمن الطبيعي أن تنشأ أنماط جديدة من التعبير والمشاركة مع اتساع استخدام المنصات الرقمية، ومن الطبيعي أيضًا ألا يكون كل ما يُنشر متقنًا أو ذا أهداف واضحة ومحددة، فالمحتوى الإنساني بطبيعته يتفاوت بين الجاد والعفوي، وبين المخطط له واللحظي.
غير أن ما يستحق التأمل هو مفهوم «العشوائية» ذاته؛ فالعفوية شيء، والعشوائية شيء آخر. أن نشارك لحظة من حياتنا أو فكرة عابرة لا يعد إشكالًا في حد ذاته، لكن تحويل النشر إلى ممارسة تلقائية لا يسبقها تفكير في القيمة أو الأثر أو الرسالة يطرح تساؤلات مهمة حول علاقتنا بالمحتوى الذي ننتجه يوميًا.
لقد منحتنا المنصات فرصة غير مسبوقة للتعبير والتأثير، وأصبح كل منشور أو صورة أو مقطع مرئي جزءًا من الفضاء الإعلامي الذي يسهم في تشكيل الاهتمامات والاتجاهات والذائقة العامة. لذلك، قد يكون من المناسب أن نعيد النظر فيما ننشره، لا من باب تقييد العفوية أو فرض المثالية، بل من باب الوعي؛ فليس المطلوب أن يكون كل محتوى عظيمًا أو استثنائيًا، وإنما أن نسأل أنفسنا قبل النشر: ماذا يضيف هذا المحتوى؟ وما أثره؟ وهل يستحق أن يشغل جزءًا من انتباه الآخرين ووقتهم؟
إن القيمة الحقيقية للمحتوى لا تكمن دائمًا في احترافيته، بل في معناه وجدواه، وفي قدرته على أن يترك أثرًا -ولو بسيطًا - يتجاوز مجرد الظهور العابر في سيل لا ينتهي من المنشورات.
أبعادٌ عدة ترتبط بالممارسات العشوائية التي نراها اليوم في الفضاء الرقمي؛ فمنها ما هو اجتماعي يعكس أنماط التفاعل الجديدة بين الأفراد، ومنها ما هو مهني يرتبط بكيفية بناء الصورة الذهنية والحضور الرقمي، ومنها ما هو نفسي يتصل بحاجة الإنسان إلى التعبير والمشاركة وإثبات الذات. وبين هذه الأبعاد جميعًا تبقى «العشوائيات» ظاهرة جديرة بالتأمل، لا للحكم عليها بالقبول أو الرفض، بل لفهم ما تعكسه من تحولات في ثقافة إنتاج المحتوى واستهلاكه.
[email protected]



