في هذا العصر لم يعد الإنسان يحتاج إلى من يراقبه، فهو يقوم بالمهمة مجانًا وبكامل الحماس. يصور بيته بنفسه، ويصور أولاده بنفسه، ويصور سفراته ومشكلاته بنفسه، والآن قرر أن يرسل جيناته أيضًا. المشكلة ليست في العلم، فالعلم من أعظم منجزات البشرية، وإنما في الاستهتار حين يتعامل البعض مع فحص الحمض النووي وكأنه لعبة ترفيهية أو اختبار يخبرك أي نوع من القهوة يشبه شخصيتك، أو بأنك معرض للصلع بنسبة مرتفعة فعليك بنوع محدد من الشامبو والوجبات المناسبة.
وقد تأتيك شركة تأمين بكل أدب وتقول: بعد مراجعة حمضك النووي اكتشفنا أن احتمالية إصابتك ببعض الأمراض مرتفعة. لذلك، سيتم تعديل سعر التأمين. في السابق كانت الشركات تتجسس على اهتماماتك الشرائية، أما اليوم فهي تريد أن تعرف كيف سيعمل قلبك بعد عشرين سنة، وما الأمراض التي قد تصيبك، وما نقاط ضعفك البيولوجية. يا له من تقدم مذهل! أصبح الإنسان يسلم مفاتيحه بيده ثم يصفق للتكنولوجيا، ويفتح الباب بنفسه ويقول: «تفضلوا، هذه جيناتي وهذا تاريخي بالكامل، ولا تنسوا إرسال التقرير بإطار ذهبي».
ختامًا، يبدو أن البشرية لم تعد تكتفي بمشاركة وقتها وخصوصيتها وصورها ومشاعرها، بل وصلت المرحلة إلى مشاركة أكثر المعلومات حساسية. والأطرف في القصة كلها أن بعض الناس يدفع المال بنفسه حتى يكشف تفاصيله الوراثية كاملة. ويبدو أن الإنسان المعاصر لم يعد يفكر كثيرًا في حدود خصوصيته، بل أصبح مستعدًا لتغليفها بشكل أنيق ثم تسليمها للشركات مع ابتسامة وكوبون خصم، معتقدًا أنه اشترى معرفة إضافية، بينما قد يكون قد تخلى عن أكثر بياناته خصوصية وحساسية.
[email protected]



