المشكلة أن كثيرًا من الناس تعلموا منذ الصغر أن إخفاء الألم نوع من القوة، لذلك يكبرون وهم يقولون دائمًا: "أنا بخير"، رغم أنهم متعبون من الداخل. لكن المشاعر المؤلمة لا تختفي عندما نتجاهلها، بل تبقى داخل النفس، وقد تظهر لاحقًا في صورة حزن شديد، أو غضب مفاجئ، أو تعب نفسي وجسدي. لذلك فإن أول خطوة في طريق التعافي هي الاعتراف بالألم بدلًا من الهروب منه.
ومن أصعب ما يشعر به من تعرضوا لصدمات الطفولة أنهم يلومون أنفسهم على ما حدث لهم، وكأنهم السبب. لكن الحقيقة أن الطفل لا يتحمل مسؤولية قسوة الكبار أو إهمالهم. وعندما يفهم الإنسان هذه الحقيقة، يبدأ بالشعور براحة داخلية أكبر، لأن التعافي يبدأ عندما يتوقف عن معاقبة نفسه على أشياء لم يكن سببًا فيها.
والتعافي لا يحدث بسرعة، بل يحتاج إلى وقت وصبر. وقد تبدأ الرحلة بالحديث مع شخص يثق به الإنسان، أو مع مختص نفسي يستمع إليه دون أن يحكم عليه. كما أن الكتابة تساعد أحيانًا على إخراج المشاعر المكبوتة. وحتى الاهتمام بالجسد مهم جدًا، مثل النوم الجيد، والرياضة، والتنفس العميق، والابتعاد عن العلاقات المؤذية، لأن النفس والجسد يؤثر كل منهما في الآخر.
ومن الطبيعي أيضًا أن يشعر الإنسان أحيانًا بأنه تحسن كثيرًا، ثم تعود بعض الذكريات القديمة وتؤلمه من جديد. هذا لا يعني أنه فشل، بل يعني أن التعافي يحتاج إلى وقت. لذلك يجب أن يكون الإنسان صبورًا ولطيفًا مع نفسه خلال هذه الرحلة.
وفي النهاية، قد لا يستطيع الإنسان تغيير طفولته أو محو ما حدث له، لكنه يستطيع أن يمنع ذلك الألم من التحكم في بقية حياته. فالجروح النفسية يمكن أن تلتئم مع الوقت والدعم والوعي. وأجمل ما قد يفعله الإنسان لنفسه هو أن يمنح قلبه اليوم الأمان والتقدير اللذين كان يحتاجهما في الماضي.
* أستاذ علم النفس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة *



