في الحج تتجرد الأرواح قبل الأجساد وتسقط الكثير من الفوارق التي صنعتها الدنيا طويلًا.
لا منصب يبقى ولا جاه يُرى ولا طبقات تفصل البشر عن بعضهم، فالكل يقف بثوب أبيض كأن الحياة تعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى روح ضعيفة لا تنجو إلا بالله.
وحين يأتي يوم عرفة يختلف الشعور تمامًا كأن الزمن يصبح أكثر نقاء وكأن السماء أقرب من المعتاد، وفي عرفة يستشعر المؤمن سكينة خاصة وقربًا من رحمة الله، فيراجع نفسه بعيدًا عن ضجيج الحياة ويبدأ بمراجعة ذاته بهدوء وتأمل، ويتساءل بصمت كم مرة أخطأنا بحق أرواحنا ونحن نظن أننا نعيش وكم مرة أرهقتنا الدنيا حتى نسينا أن الطمأنينة الحقيقية لا تشترى من البشر.
موسم الحج لا يعلّمنا الشعائر فقط بل يعلّمنا معنى العودة، العودة إلى النقاء إلى البساطة إلى السلام الداخلي إلى ذلك الجزء الصادق فينا الذي أفسدته الحياة قليلًا، ولعل أعظم ما في هذه الأيام أنها تمنح الإنسان فرصة جديدة مهما أثقلته أخطاؤه، وكأن الله يقول لعباده عودوا إليّ كما أنتم فالباب ما زال مفتوحًا والرحمة أوسع من كل ما تخافونه.
لهذا يبقى الحج مختلفًا عن كل شيء ويبقى عرفة يومًا لا يشبه الأيام لأن الأرواح فيه لا تبحث عن الدنيا بل تبحث عن النجاة
شمعة مضيئة:
وفي النهاية.. موسم الحج رسالة سماوية تذكر الإنسان أن النجاة ليست في كثرة ما نملك بل في خفة أرواحنا حين تعود إلى الله.
فهناك عند الدعوات المرتجفة والدموع الصادقة والقلوب التي أنهكها الطريق يدرك الإنسان أن الطمأنينة ليست مكانًا نصل إليه بل قربًا نشعر به، ولعل أجمل ما في عرفة أن الأرواح لا تخرج منها كما دخلتها أبدًا فإما أن تعود أخف ذنبًا أو أعمق إيمانًا أو أكثر يقينًا بأن الله إذا فتح للروح باب الرحمة أغلق عنها أبواب التيه كلها.
[email protected]


