عندما وقفت هناك بين ملايين القلوب التي جاءت من كل فجٍّ بعيد، لا يجمعها لون ولا لغة ولا وطن، وإنما يجمعها نداء واحد: لبيك اللهم لبيك.
حينها فقط فهمت لماذا يعود الحاج من رحلته شخصًا آخر، ولماذا يبقى شيء من روحه معلّقًا هناك في مكة، بين الطواف والسعي والدعوات التي خرجت من أعماق القلب.
الحج ليس رحلة عادية تُحفظ في الصور والذكريات، بل هو شعور يصعب وصفه بالكلمات، هو انتقال من ضجيج الدنيا إلى سكينةٍ تشبه الطمأنينة الأولى، وكأن الإنسان يعود إلى فطرته النقية التي خلقه الله عليها. في كل خطوة من خطوات الحج تشعر أن قلبك يُغسل من أثقال السنين، وأن روحك تتخفف من تعب الحياة وهمومها.
عندما ترى الكعبة لأول مرة تدرك أن بعض الدموع لا تحتاج سببًا، وأن هناك مشاعر أكبر من أن تُشرح. تقف أمامها وكأنك تقف أمام كل دعواتك القديمة، كل انكساراتك، وكل الأمنيات التي خبأتها طويلًا في قلبك، وحين تطوف تشعر أن العالم كله يدور بعيدًا عنك، بينما أنت ثابت بالقرب من الله، قريب كما لم تكن من قبل.
أما في عرفات، فالأمر مختلف تمامًا. هناك تشعر أن السماء أقرب، وأن الدعاء أخفّ من الهواء. ترى الناس يبكون، يرفعون أيديهم، يطلبون الرحمة والمغفرة، فتدرك أن البشر مهما اختلفوا فهم متشابهون أمام الله؛ ضعفاء، محتاجون، يرجون عفوه ورضاه. وفي تلك اللحظات يتبدل شيء داخلك دون أن تشعر، شيء يجعلك أكثر هدوءًا ورحمةً وامتنانًا للحياة.
ولهذا، بعد أول حجة لا يعود الحاج كما كان، بل يبقى الحنين ساكنًا في قلبه، ويصبح موسم الحج موعدًا توقظ فيه الذكريات أشواقًا لا تهدأ. يسمع التكبيرات فيشتاق، ويرى الحجاج فيبكي شوقًا، وكأن روحه تريد أن تعود مرة أخرى إلى تلك الأيام التي شعر فيها بالقرب الحقيقي من الله.
يتذكّر آخر يوم؛ وداع المخيم والعاملين فيه، ووداع جنود الوطن وهم يباركون لنا ويهتفون بفرحٍ غامر. ينظر الحاج نظرة مودّع، وكأنه يتمنى لو يبقى هنا إلى الأبد.
الحج لا ينتهي بالعودة إلى ديارك، بل يبدأ أثره الحقيقي بعد العودة؛ في القلب، وفي الروح، وفي نظرة الإنسان إلى الدنيا كلها.
لذا، إذا رزقك الله - عز وجل - حج بيته فاعلم بأنه تعالى قد خصك بتلك النعمة العظيمة دون ملايين خلقه من البشر، فأدِّ حق تلك النعمة بالشكر والثناء على الله، واستقم على أوامره وانتهِ عن نواهيه، فقد لا تعود لتلك البقاع الطاهرة مرة أخرى، وادعُ الله بعظيم الجزاء من الخير لكل من ساهم وسهر وبذل الغالي على أمنك وأمانك لتؤدي حجك.
[email protected]

