ولأننا نعيش فترة تكثر فيها حفلات التخرج، ما بين دفعة تودّع مقاعد الدراسة وأخرى تستعد لعبور هذه المرحلة، فربما تكون فرصة مناسبة لأن نوجّه بعض الرسائل لكل خريج يقف اليوم على أعتاب فصل جديد من حياته.
إن التخرج حقيقة ثابتة تتوّج سنوات طويلة من الجهد والاجتهاد والمثابرة والصبر، وهو ثمرة أعوام عاش فيها الطالب محطات مختلفة من التعب والسقوط والنهوض والسعي الدؤوب، حتى يصل إلى هذه اللحظة التي يرى فيها حصاد رحلته التعليمية، إنها حقيقة صنعتها الأيام الطويلة، والتحديات، والتجارب التي مرّ بها كل خريج حتى يصل إلى هذه المرحلة.
التخرج ليس نهاية فصل، بل بداية فصل آخر أكثر إشراقًا، أكثر تمكنًا، أكثر وعيًا، وأكثر مسؤولية. مرحلة ينتقل فيها الإنسان من حدود القاعات الدراسية إلى اتساع الحياة وتجاربها المختلفة، ومن أهم الوصايا التي يمكن أن تُقال لكل خريج: ألا يتوقف عن التعلم أبدًا، فرحلة التعلم لا تنتهي عند حد معين، بل تستمر مدى الحياة، وعلى الخريج أن يواصل تطوير ذاته، وأن يسعى لاكتساب المهارات والمعارف التي تضيف لشخصيته ولمجاله الكثير، وأن يكون مواكبًا لكل جديد، متجددًا في أدواته وأفكاره، متسلحًا بالقيم، ومغتنمًا للفرص التي قد تصنع فارقًا كبيرًا في مستقبله.
كما أن على الخريج أن يكون مقبلًا على سوق العمل بطموح، لكنه متأنٍ في الوقت ذاته، مترقبًا لا عجولًا، فالفرص لا تأتي دائمًا بالشكل الذي نتوقعه، لكنها تأتي لمن يسعى ويجرب ويخوض التجارب المختلفة حتى يكتشف البيئة التي يجد فيها نفسه، والجهة التي تحتضن أفكاره ومهاراته خير احتضان، وتمنحه المساحة التي يستطيع من خلالها أن ينمو ويُبدع.
وعلى الخريج أيضًا ألا يربط مصيره بالآخرين، ولا يجعل من تجارب من حوله معيارًا يقيس به نجاحه أو تأخره، فلكل إنسان وقته المناسب، ولكل مجتهد رحلته الخاصة التي تختلف في بداياتها وتفاصيلها ومحطاتها، هناك من يصل مبكرًا، وهناك من تهيئه التجارب للوصول في وقت لاحق، لكن الأهم أن يستمر الإنسان في السعي دون أن يفقد إيمانه بنفسه وقدراته.
ومن الطبيعي كذلك أن يتدرج الخريج في مشواره المهني، وأن تكون بداياته الأولى متواضعة، فالنجاح لا يأتي دفعة واحدة، ولا يصل الإنسان إلى أعلى القمم بخطوة واحدة، بل يصعد سلّم النجاح درجة بعد أخرى، ويكتسب مع كل تجربة خبرة جديدة ووعيًا أعمق وقدرة أكبر على فهم ذاته وما يناسب تطلعاته وطموحاته التي رسمها في مخيلته منذ البداية.
ومن الأمور المهمة أيضًا أن يحرص الخريج على تنمية علاقاته المهنية والاجتماعية، وأن يهتم ببناء حضوره في المنصات المهنية، فكثير من اللقاءات والجلسات الحوارية التي حضرتها كان المتحدثون فيها من مختلف الجهات والقطاعات يؤكدون أهمية هذه المنصات ودورها المتنامي في استقطاب الكفاءات والطاقات المبدعة، خاصة مع توجه كثير من الشركات والمؤسسات اليوم للبحث عن المواهب والخبرات من خلالها.
وفي النهاية، يبقى التخرج محطة مهمة في حياة الإنسان، لكنها ليست المحطة الأخيرة، بل البداية الحقيقية لرحلة أوسع مليئة بالتجارب والتحديات والفرص، رحلة يصنع فيها الإنسان نفسه بنفسه، ويكتشف فيها قدراته، ويواصل فيها السعي نحو المكان الذي يستحقه ويطمح للوصول إليه.
[email protected]



