وكما هو متداول اليوم في عصر انتشار تطبيقات التواصل الجماهيري، وكثرة المنصات الإعلامية، باتت المعلومة تُتداول بسرعة تفوق قدرة التحقق، وأصبح الصوت العالي أحيانًا يسبق الحقيقة، ويزاحمها في الوعي العام.
وما أكثرَ من يتصدّر المبتدأ والخبر في كل شاردةٍ وواردة، بثرثرةٍ وادّعاء فهمٍ بلا معرفةٍ صحيحة، ولا قربٍ حقيقيٍّ من القضايا، ولا اختصاصٍ في تلك الموضوعات. حتى إذا استدبر من أمره ما استقبل، تبادرت الأسئلة إلى ذهنه من قبيل: ما الذي حدث؟ وكيف تشكّل هذا التصور؟ وأين موضع الدقة في هذا الطرح؟
إنها حالة من التداخل بين الرأي والانطباع، وبين المعرفة والافتراض، تجعل المتلقي في حيرة، وتفتح الباب أمام إعادة تداول الأخطاء وكأنها حقائق مسلّمة، في غياب التمحيص والرجوع إلى أهل الاختصاص.
وما أجمل الشعر حين يحضر في هذا المجال؛ إذ نفثنا روح الشعر في هذا المعنى، واختبرنا الوزن بدقّة الذكاء الاصطناعي، نقول هذا من باب الأمانة، حيث أبياتٍ من الفصحى، من قريحتي، نقول فيها:
إنَّ الجهولَ إذا ما قالَ مُعتَقِدًا
ظنَّ الصوابَ، فأمسى القولُ إسنادا
يَتصدَّرُ القومَ في جهلٍ وفي ثقةٍ
كأنما العلمُ قد أمسى لهُ قيادا
يَدّعي الفهمَ في داءٍ يُحيطُ بنا
ولا يرى للدواءِ اليومَ إرشادا
إن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس نقص المعلومات بقدر ما هو وفرة الآراء غير المنضبطة، التي تُقدَّم في ثوب اليقين وهي لا تستند إلى أساس معرفي راسخ. ومن هنا تأتي أهمية الوعي النقدي، وإدراك حدود المعرفة قبل إطلاق الأحكام.
[email protected]



