عند حدوث المشكلة أو الأزمة، ما هو أول سؤال يخطر في بالك؟ هل هو البحث عن الحل، أم من المتهم! عندما نتحدث عن المشكلة في أغلب الأزمات، نستنتج أن التساؤل لا يكون عن الحل، بل بالبحث عن الشخص الذي يمكن تحميله المسؤولية، وبشكل أدق؛ يبحثون عن المتهم! وكأن وجود متهم واضح هو الحل، حتى لو بقيت المشكلة كما هي دون معالجة حقيقية؛ إذ يتحول التركيز سريعاً من فهم الخلل إلى تحديد من يجب أن يتحمل اللوم أمام الآخرين.
أحياناً عندما يفشل مشروع، أو تتوتر علاقة، أو يتراجع فريق؛ يكون البحث عن الحلقة الأضعف، لأن الاعتراف بأن المشكلة أعمق وأكثر تعقيداً يحتاج شجاعة أكبر؛ ولأن بعض الناس لا يريد حلاً حقيقياً، لأن الحلول غالباً تتطلب تغييراً، والتغيير يجمع بين التكلفة والتعب، بينما إيجاد متهم يمنح شعوراً سريعاً بالانتصار، والعدالة، والراحة، حتى لو كان شكلياً.
وفي مواقع التواصل، تبدو هذه الثقافة أكثر وضوحاً! فعند كل قضية، يتسابق كثيرون لإصدار الأحكام قبل اكتمال الصورة، وكأن سرعة الاتهام أصبحت أهم من دقة الفهم؛ وأحياناً لا يبحث الناس عن الحقيقة بقدر بحثهم عن شخص يفرغون فيه غضبهم، ثم ينتقلون بعد أيام إلى قضية أخرى بالطريقة نفسها، بينما تبقى الأسباب الحقيقية دون نقاش جاد.
البيئات الواعية لا تكتفي بتحديد المخطئ، بل تسأل أيضاً: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ وما الذي سمح بتكرار الخطأ؟ لأن معالجة الأزمات لا تبدأ بإيجاد متهم، بل تبدأ بفهم جذور المشكلة، ومراجعة القرارات، وتحمل الجميع لمسؤوليته الحقيقية؛ أما المجتمعات التي تكتفي باللوم، فإنها قد تغيّر الأشخاص مرات كثيرة، لكنها غالباً تعيد إنتاج الأخطاء نفسها بصورة مختلفة.
ولهذا نجد أن بعض القادة أو الإدارات يشعرون بالارتياح أمام الحلول السريعة التي تقدم اسماً بدلاً من تقديم تفسير؛ فالاسم يهدئ الغضب مؤقتاً، أما التفسير فيفتح أسئلة كثيرة عن آليات العمل، وضعف المتابعة، وربما سوء القرار نفسه! ولهذا أيضاً تتكرر الأخطاء داخل بعض البيئات رغم تغيير الموظفين، لأن المشكلة لم تكن مرتبطة بشخص واحد منذ البداية، بل بطريقة تفكير كاملة اعتادت البحث عن الملام بدلاً من البحث عن الخلل الحقيقي الذي يحتاج إلى مواجهة وإصلاح؛ وفي النهاية يبقى الحل الحقيقي مؤلماً أحياناً، لكنه أقل خطراً من استمرار الوهم الطويل.


