أحد أهم أشكال التطوع هو التطوع الاحترافي، والذي برز بشكل مُلفت في السنوات الأخيرة، حيث يتميز بأنه الأقرب لسوق العمل، ولا يقتصر على تقديم خدمات عامة، بل يركز على استخدام المهارات الأكاديمية والتخصصية للطلاب في بيئات حقيقية تحاكي سوق العمل، ويمنحهم تجربة قريبة من الحياة الوظيفية المستقبلية. بمعنى أن الطالب ينتقل من دور «المتلقي للمعرفة» إلى دور «مقدم الخدمة المتخصصة» في بيئة منظمة. وبشكل مبسط، التطوع العادي يُثبت أن الفرد «معطاء»، أما في التطوع الاحترافي فقد يُثبت أن الفرد «قابل للتوظيف».
أحد أكبر التحديات التي يُعاني منها الطلاب عند انتقالهم من المرحلة التعليمية إلى سوق العمل هو نقص الخبرة العملية، حيث تطلب جهات العمل من الطلاب خبرة عملية للانضمام إليها، بينما يفتقر أغلب الخريجين إلى هذه الخبرة أثناء المرحلة التعليمية. وهنا تأتي أهمية التطوع الاحترافي لحل هذا التحدي، فسوق العمل اليوم لا يبحث فقط عن حامل شهادة، بل عن فرد قادر على «المبادرة، والعمل ضمن فريق، وحل المشكلات، وفهم بيئة العمل، وتحويل المعرفة النظرية إلى قيمة عملية». وكمثال بسيط على ذلك؛ الطالب الذي أنهى 50 ساعة تطوع احترافي في تخصصه خلال سنوات دراسته، يصل إلى مقابلة العمل بفرص أكبر من الطالب الذي اعتمد فقط على المنهج الدراسي دون خوض أي تجربة تطوعية.
التطوع الاحترافي لا ينبغي النظر إليه كبديل عن التدريب التعاوني، بل مكملًا استراتيجيًا له، لأنه يمنح الطلاب مساحة آمنة للتعلم والتجربة، إضافة إلى بناء الثقة قبل الدخول الكامل إلى سوق العمل. فالتدريب التعاوني يمكن وصفه بأنه جزء من المنهج الدراسي، ويهدف بالأساس إلى تعليم الطالب، بينما التطوع الاحترافي يُعتبر نشاطًا اختياريًا ذاتيًا يهدف إلى تقديم قيمة مضافة للجهة مع اكتساب خبرة حقيقية متزامنة. وكوجهة نظر شخصية، أرى أن التطوع الاحترافي يمنحك مساحة أكبر لاختيار أدوار تثير شغفك، ويبني لك إنجازات واضحة وملموسة، بالإضافة إلى أنه يتيح لك تجربة أدوار متنوعة قد لا تجدها في شركة واحدة.
في ظل ما نشهده من تطورات في مجال التطوع بشكل عام، أرى أهمية إنشاء مبادرة تكون موجهة لطلاب السنوات الأخيرة في الجامعات والكليات والمعاهد، ومن خلالها يتم ربطهم بفرص تطوعية احترافية قصيرة في منشآت القطاع الخاص، ويحصل الطالب من خلال هذه الفرص على شهادة موثقة بعدد الساعات والمخرجات التي عمل عليها، بالإضافة إلى تقييم مهني من الجهة المستفيدة. وأقترح أن يكون الإشراف على ذلك من خلال صندوق الموارد البشرية «هدف».
ختامًا؛ التطوع الاحترافي ليس إحسانًا من طرف إلى طرف، بل نموذج منفعة مشتركة، إذ إنه يعيد توزيع المعرفة من المؤسسات التعليمية إلى المجتمع، ثم يعيدها إلى الطالب في صورة «خبرة، وثقة، وعلاقات مهنية، وفرص عمل».
مستشار موارد بشرية
[email protected]



