ومن الروايات الرائدة هي رواية لروبرت هاينلاين -Robert A. Heinlein-، صدرت في عام 1966م بعنوان «القمر سيدة قاسية» -The Moon is a Harsh Mistress-، وتتخيل العالم في 2075م. ووصفه للذكاء الاصطناعي يذكرني بمسار تطور النماذج التوليدية الحوارية الحالية وآلية عملها، حيث يشتركان في التطور عن طريق التعلم من البيانات والقدرة الحوارية مع البشر (التعلم الآلي)، إضافةً إلى الاستفادة من الحوارات لتعزيز قدراته «التعلم التعزيزي». لكن يتفوق تصوره لهذا الذكاء الاصطناعي على النماذج التوليدية بأنه يمتلك «الوعي الذاتي».
أما فيليب ديك «Philip K. Dick» في روايته الصادرة في عام 1968 بعنوان «هل يحلم الناس الآليوغنم كهربائية» -Do Androids Dream of Electric Sheep-، وتدور أحداثها التخيلية حول عام 1992م، واستُوحي من الرواية فيلم شهير فيما بعد. تتحدث الرواية عن اختبار لمعرفة الإنسان الآلي «الأندرويد» من الإنسان، وهو يعتمد بشكل رئيسي على وجود التعاطف من عدمه، وتطرح القصة تساؤلات حول الفائدة من التفريق بين تجارب الإنسان الآلي والبشر. ويمكن استنتاج أنه كان يتخيل أن الذكاء الاصطناعي سيصل لمرحلة يصعب معها التفريق بشكل أخلاقي بين الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري واعتبار الأول كذلك أحد أشكال «الحياة»!
وبالطبع يكثر الحديث في هذه الأيام عن سيناريوهات وصول الذكاء الاصطناعي إلى الوعي الذاتي ومن ثم محاولته السيطرة على العالم، وهو شائع في مختلف وسائط الخيال العلمي، بالذات في ضوء التقدم الحاصل في الذكاء الاصطناعي التوليدي والأبحاث الأخيرة عن مخاطره. وفي الحقيقة أرى أن سيناريو وصوله إلى الوعي بالذات ومن ثم اتخاذه قرار بأنه سيستبدل البشرية سيظل في مجال الخيال العلمي ولا علاقة له بالواقع، لكن هذا لا ينفي وجود مخاطر كبيرة من تطوره بدون اشتراط وجود «التدخل البشري» كما ذكرت في مقالي السابق.
وهذا ما يقودني للحديث عن شخص آخر من رواد الخيال العلمي وهو إسحاق أسيموف -Isaac Asimov-، وأهم ما أود ذكره عنه هو تأسيسه القوانين الثلاث للروبوتات، فإذا ما عرفنا أنه نشرها في عام 1942م من خلال القصة القصيرة «المراوغة» -Runaround- عرفنا إلى أي حد سبق عصره! فالقصة نُشرت قبل استحداث مصطلح الذكاء الاصطناعي بأكثر من عقد بقليل، وتدور أحداثها التخيلية في عام 2015م لكن على كوكب عطارد! والقواعد الثلاث هي:
1- ممنوع على الروبوت إيذاء إنسان، أو أن يسبب تقاعسه تعريض إنسان للأذى
2- على الروبوت أن يطيع الأوامر من البشر، إلا عندما تتعارض مع القانون الأول
3- على الروبوت أن يحمي وجوده، عندما لا يتعارض ذلك مع القانون الأول أو الثاني
وتبرز عبقريتها اليوم ليس في تخيلها للتطور التقني أو دقة توقعها لتواريخ ظهور التقنيات، أو حتى في تفاصيل القوانين، بل في تصوره لضرورة وضع حدود وضوابط للذكاء الاصطناعي للحماية من المخاطر المحتملة.
في الخلاصة، نجد أن روايات الخيال العلمي الرائدة لم تتخيل فقط تطور التقنيات، وإنما تعاملت مع آثارها الأخلاقية والفلسفية وتأثيرها على الإبداع البشري. ولعل أهم درس هو أهمية وضع ضوابط وقوانين كأسس لبرمجة نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة لتجنب سيناريوهات لتطوره لا يمكننا توقعها، بالذات عند تمكين هذه النماذج من إعادة برمجة ذاتها أو تطوير النماذج التوكيلية وإطلاق حرية التصرف لها دون تدخل بشري. فوجود مخاطر كبيرة جدًا من الذكاء الاصطناعي لا تتطلب أن يكون ذكيًا أو واعيًا، وإنما يكفي أن نتخلى عن المسؤولية البشرية ونسلمها له!
@AlQurtas


