وأما إذا أردنا أن نُعرّف الإبداع ابتداءً، فهو بحسب تعريف هيئة الأمم: «قد لا يكون ثمة فهم عالمي واحد للإبداع. فهذا المفهوم يظل مفتوحًا لتأويلات متعددة، تمتد من التعبير الفني إلى حل المشكلات في سياق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمستدامة». وببساطة، الإبداع هو إيجاد أفكار جديدة لحل مشكلة بطريقة غير تقليدية أو مألوفة. وأعتقد جازمًا أن التقدم لأي حضارة أو دولة يمر حتمًا من بوابة الإبداع والابتكار، وتأملوا التاريخ والحضارات.
حديثنا اليوم عن هذا الموضوع لأن «21» من شهر أبريل يوافق «اليوم العالمي للإبداع والابتكار». والشعار لهذه السنة «2026م»: «انطلق وابتكر». وقد تم الاهتمام بهذا اليوم العالمي منذ «2018م». والجدير بالذكر أن هذا اليوم العالمي يهدف إلى رفع مستوى الوعي في حل المشكلات بطريقة أكثر فعالية وجودة، والتشجيع ماديًا ومعنويًا على الحلول المبتكرة، وهو مناسبة للاحتفاء بالمبدعين. والإبداع والابتكار هما لاعبان أساسيان في بناء التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى السياسية. بل من أوضح الأدلة على أهمية هذه المسألة أن الشركات الكبرى كانت ولا تزال تنفق المليارات من الدولارات في مجال البحث والتطوير.
ولأن الإبداع يشمل كافة مجالات الحياة البشرية وليس جانبًا دون آخر، فإن الجامعات في السعودية والعالم العربي تمثل أحد أهم الحواضن لصناعة الإبداع وتنميته عبر تنوع التخصصات وتكاملها. فهي بيئات معرفية تجمع بين العلوم الإنسانية والتطبيقية، وتمنح الطلاب مساحة واسعة للتفكير والبحث والتجريب، مما يسهم في بناء جيل قادر على الابتكار وربط المعرفة بالتطبيق العملي. كما أن دورها لا يقتصر على التعليم الأكاديمي فقط، بل يمتد إلى تعزيز الثقافة البحثية، ودعم الابتكار العلمي، وإعداد كفاءات قادرة على المساهمة في الاقتصاد المعرفي والتنمية المستدامة، بما ينسجم مع طموحات رؤية السعودية 2030 في بناء مجتمع معرفي مزدهر.
وأما تاريخيًا وحضاريًا، فلولا إبداع وانتشار أفكار سقراط وأفلاطون وأرسطو ثقافيًا وأدبيًا واجتماعيًا، لما كان عامة الناس سيعرفون أصلًا عن وجود الحضارة اليونانية! حين تنهض الدول والحضارات فإنها لا تفصل العلوم الطبيعية عن العلوم الإنسانية وتضعها على الهامش. التقنية والهندسة والطب كلها علوم مهمة جدًا حاليًا ومستقبلًا، وكذلك اللغة وعلم الاجتماع. إن النهوض الحضاري يكون فكريًا ونخبويًا وأكاديميًا، وهو لا يتجزأ في علم دون علم، والإبداع يكون فيها جميعًا. وبوضوح، فالمؤسسات المعرفية العريقة هي التي تفكر وتبدع وتُنظّر، والآخرون عليهم الجانب العملي والتنفيذي، فكلٌّ ميسر لما خُلق له.
وعودًا على موضوع الإبداع واليوم العالمي، هل الذكاء الاصطناعي سيؤثر على مسألة الإبداع البشري مستقبلًا، خصوصًا أنه يعطيك الإجابات والحلول مغلفة وجاهزة؟! والجواب: أن الذكاء الاصطناعي سيكون أداة قوية للمبدعين أصلًا، وسيساعد في تسريع الحلول وزيادة حجم الإنتاج. ولكن الجانب السلبي هو أن الاعتماد الزائد يخلق الاتكالية والخمول، ويزيد من التشابه والتكرار، وقد يؤدي إلى افتقار العاطفة الحية والحدس والقيم.
[email protected]



