أول ما يمكن أن نناقشه هو آلية تدريب هذه النماذج، فهي كما ذكرت غير قادرة على التفكير، لكنها تحاكي بشكل «عمياوي» البيانات التي تدربت عليها، فإذا كانت تحتوي على تحيزات فينبغي الحذر من ذلك ومعالجة النماذج لتجاوز هذه التحيزات. ويوجد أمر إضافي في بيانات تدريب النماذج التوليدية، فكثير من الكتب أو الوسائط المتعددة محمية بحقوق الملكية الفكرية، وحتى إذا ما تجاوزناها في بعض المجالات بحجة أن «العلم مشاع» تظل إشكالية محاكاتها للأسلوب وتقليدها له، مما قد يسبب «سرقة نص» دون تعمد المستخدم أو النموذج!
كما أوضحت في المقال السابق عن الذكاء الاصطناعي، قد يبدو لنا الذكاء الاصطناعي التوليدي أنه أذكى أو أكثر إبداعًا أو إنتاجيةً من أي إنسان، لكنه محدود بمجموع الذكاء والإبداع البشري الحالي «بل وأدق من ذلك، فهو محدود بالبيانات التي تدرب عليها». فإذا نظرنا إلى ما يحدث الآن في النماذج الجديدة مثل نموذج «سيدانس» -Seedance- الصيني وما يبدو من قدرته على توليد فيديوهات رائعة، علينا أن نتذكر أنها مجرد محاكاة توليفية لمختلف الإبداعات البشرية التي تدربت عليها، وإذا ما اعتمدنا بالكلية على هذه النماذج وتوقفنا عن الإبداع فإن هذه النماذج ستفقد فاعليتها كذلك.
وهو ما يذكرني بأسطورة عن اختراع الكتابة لدى قدماء المصريين ذكرتها في مقال سابق وأعيدها هنا لمناسبتها: أن مخترع الكتابة «تحوت» كان فخورًا جدًا بها، وقدمها للملك «ثاموس» كإنجاز عظيم، وزعم تحوت أنها سوف تزيد المصريين حكمة وتقوي ذاكرتهم، فرد عليه الملك بأن الناس سيعتمدون على الكتابة للتذكر فتضمر فيهم قوة الحفظ، وتمنحهم صورة الحكمة دون مضمونها!
وهو ما يقودني للحديث عن أهم نقطة، وهي عدم الاعتماد المطلق على نماذج الذكاء الاصطناعي بأنواعها، والتأكد من وجود العامل الإنساني في أي مجال، سواء كان للمراجعة والتدقيق والتأكد من معنى أو نتائج النماذج التوليدية، أو تحمل مسؤولية النماذج التشغيلية، وهو المبدأ الذي يطلق عليه التدخل البشري -Human in the loop-.
بلا شك سيؤثر الذكاء الاصطناعي على مستقبل سوق العمل والوظائف، وكأي ثورة صناعية أو معلوماتية سنجد الحاجة إلى تدريب جديد للقوى العاملة للاستفادة من هذه الآلات الجديدة، وستكون المعادلة الناجحة للشركات والمنظمات هي الدمج ما بين القوى العاملة ذات الخبرة مع هذه الآلات، وتطوير الجيل الجديد الذي يستفيد من الإثنين معًا.
ومع كوني ممن لا يقتنع بمخاطر الذكاء الاصطناعي العام بالسيطرة على العالم، إلا أن إتاحة المجال لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية بإعادة برمجة نفسها قد يؤدي إلى مخاطر كبيرة ونتائج غير متوقعة، وإن لم تكن في حصول هذه النماذج على ما يمكن أن نسميه بالذكاء الحقيقي أو ما يطلق عليه أحيانًا «التفرد» -Singularity- أو الوعي بالذات Self-awareness-، إلا أن هذا مع إعطاء هذه النماذج حرية التحكم دون تدخل بشري لا يمكن في الحقيقة توقع توابعه. ولعل قصة التجربة التي قامت بها شركة «أنثروبيك» -Anthropic- جديرة بالذكر هنا، حيث وضعت نموذجًا توليديًا في بيئة تجريبية مغلقة وأتاحت له الدخول على إيميلات الشركة التصورية، وأبلغت النموذج بخطة لاستبداله بنموذج أحدث، فقام النموذج بمحاولة ابتزاز مدراء الشركة التصورية للمحافظة على بقائه! بالطبع هذه كانت تجربة ولا تعني وجود «ذكاء»، لكنها أيضًا نتيجة لم تكن متوقعة من الباحثين قبل القيام بها!
خلاصة الأمر: آلات وأدوات الذكاء الاصطناعي جزء من واقعنا اليوم، ولا مجال لتجاهلها، بل علينا الاستفادة منها ووضع ضوابط للحد من مخاطرها، ولعل أهمها المحافظة على المسؤولية البشرية وتطوير مهارات القوى العاملة للاستفادة من هذه الآلات.
@AlQurtas



