هذه المقدمة التي ذكرتها ليس المقصود منها أن تكون نشرة جوية! ولكن المقصد أن التغير الذي نشهده في المناخ هو في الحقيقة سنة الحياة، بالإضافة إلى التأثيرات الصناعية البشرية. فكما أن الطقس لم يعد ثابتًا، وأصبح يحمل بين طياته المفاجآت والتقلبات بين الاعتدال والحرارة والأمطار، كذلك هي حياتنا. فلم تعد الأمور تسير بنفس النظام والثبات الذي اعتدناه، بل صارت الحياة مليئة بالتغييرات المفاجئة، سواء في العمل أو العلاقات أو الشؤون اليومية. بل إن التغير لم يعد استثناءً، وأصبح هو القاعدة. وها هي التقنية وهواتفنا الذكية ترافقنا في كل حين ولحظة، ومواقع التواصل الاجتماعي على سبيل المثال صارت تربطنا بالغريب أكثر من القريب! وصار لدى البعض الخصوصيات مثل العموميات، حتى غدت الخصوصية عملة نادرة.
وشيء آخر بدأ يدخل حياتنا بالقوة الناعمة، ألا وهو الذكاء الاصطناعي، فأصبحنا نستشيره كأنه الصديق الصدوق! هذا التغيير ليس بالأمر الهين سواء على الجيل الحالي أو القادم. وأعتقد أنه كلما زادت التقنية تطورًا وتدخلًا في حياة الإنسان، قلت الأواصر الأسرية والاجتماعية، وهذا لعله سيكون أشد وطأة على الإنسان من التغير المناخي الذي ذكرت في بداية المقال!
وكلما تقدمت التقنية خطوة، ستتراجع اللمسات الإنسانية التفاعلية خطوات. صحيح إن سنة الحياة هي التغيير كما أسلفنا، ولكن لا بد من الحذر، فمع التقدم التقني المهول والحاصل في زمننا، والأشد والأكبر في القريب العاجل، يأتي دور أهمية العلوم الإنسانية والاجتماعية، والتي سوف تصبح في نظري مهمة جدًا في السنوات القادمة، من أجل دراسة وبحث كيفية حماية الإنسان من نفسه! فهذا التقدم التقني خصوصًا في مجال الذكاء الاصطناعي، قد يخرج عن السيطرة في وقت الذروة، وعلى حين غفلة منا، وحينها لا ينفع الندم ولا العويل!
وعلاوة على ما سبق، فالذين يتحدثون عن أهمية مراعاة سوق العمل من أجل التخصصات التقنية الدقيقة، لا بد ألا يغفلوا أيضًا عن أهمية العلوم الاجتماعية والإنسانية، وأن ينتبهوا كذلك أن التقنية سلاح خطير جدًا، والذي شاهدناه في بعض أفلام الخيال العلمي عن خطورة سيطرة الآلة على الإنسان، قد لا يكون مستبعدًا وخيالًا، وسيصبح أمرًا واقعيًا بعد فوات الأوان. فالأقمار الصناعية، والسفر في الفضاء، والقنابل النووية، والذكاء الاصطناعي كلها كانت قبل مئة سنة فقط خيالًا علميًا! والمشكلة الأكبر أن وتيرة العلم والتقنية صارت أسرع بكثير خلال العقدين الماضيين فقط!! واسألوا خبراء التقنية إن كنتم تشكّون!
التغير المناخي يعلمنا درسًا عميقًا في أن الأشياء والأحوال في تغير مستمر، ومن يتعامل مع التغير والتطور بتوازن عقلي وإنساني سينجو ويتفوق. والخلاصة: التقنية دون قلب «قنبلة موقوتة»!!
[email protected]



