هنا تدرك أن ما حُجب عنك لم يكن نقصًا، بل رحمة من رب العالمين تحميك دون أن تشعر. في زمن يلهث فيه الإنسان خلف الكمال ويظن أن النقص خلل يجب إصلاحه، يغيب سؤال مهم: هل كل ما نراه نقصًا هو فعلًا نقص، أم أنه وجه خفي للرحمة؟ فالكمال الذي يطلبه البعض قد يتحول إلى عبء ثقيل إذا تحقق، وقد تنقلب الطمأنينة إلى قلق دائم.
حين نتأمل في خلق الإنسان نكتشف أن كثيرًا من حدودنا ليست عجزًا، بل حماية دقيقة تحفظ توازننا النفسي والجسدي وتجعل الحياة ممكنة. فالعين لا ترى كل شيء، ولو رأت لتحول الشعور بالراحة إلى خوف مستمر، والسمع لا يلتقط كل الأصوات، ولو التقطها لتحول العالم إلى ضجيج مرهق يفقد الإنسان سكينته.
الذاكرة لا تحتفظ بكل شيء، بل تنتقي وتترك، وهذه ليست خسارة بل رحمة من رب العالمين تحفظ القلب من الانكسار. فلو بقيت كل المواقف المؤلمة حاضرة في الذهن لما استطاع الإنسان أن يبدأ من جديد، ولا أن يبتسم بصدق. بعض ما ننساه لم يضع، بل رُفع عنا رحمة حتى لا نحمل ما لا نطيق.
حين نفهم هذه الحقيقة ندرك أن ما نراه نقصًا هو في الحقيقة توازن دقيق يحفظ إنسانيتنا. فلو اتسعت الحواس بلا حدود لاختل هذا التوازن، ولتحولت النعم إلى عبء ثقيل، ولما استطاع الإنسان أن يعيش مطمئنًا. فليس كل زيادة نتمناها خيرًا لنا، بل قد يكون في زيادتها ما يرهقنا أكثر مما نحتمل.
ختامًا..
ما حُجب عنك لم يكن لينقصك، بل ليبقيك.
بعض ما لم تره أو تسمعه أو تنسَه هو سبب في استمرارك.
ولو رأيت كل شيء لانتهى كل شيء
[email protected]



