لا شك أن الشفافية مهمة، ولكن جعل الإنسان حياته صفحةً مفتوحة، كل شيء قابل للعرض والإعلان، مشكلة تحتاج انتباهًا.
عندما نقرأ سيرة سيد الخلق - صلى الله عليه وآله وسلم- نجد أن الأنصار لما أتوا لبيعة العقبة الثانية في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة ـ يونيو سنة 622م ـ وكانوا أكثر من سبعين شخصًا ضمن حجاج قومهم من المشركين، تساءلوا: حتى متى نترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطوف ويُطرد في جبال مكة ويخاف؟
فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات بسرية تامة لم يتحدث فيها أحد من الفريقين، وقد أدت إلى الاتفاق على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل. يقول كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه: خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها،.. فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، نتسلل تسلل القَطَا، مستخفين، حتى اجتمعنا في الشِّعْب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، وامرأتان من نسائنا؛ نُسَيْبَة بنت كعب ـ أم عُمَارة ـ من بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو ـ أم منيع ـ من بني سلمة، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا، ومعه عمه العباس بن عبدالمطلب ـ وهو يومئذ على دين قومه ـ إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، وكان أول متكلم.
كيف لو تحدث أحدهم والعدد كبير - رجالًا ونساءً - بما جرى أو صوّر قبل الوصول للمطلوب؟ ماذا ستكون الآثار على الأنصار وعلى هذا الدين العظيم؟
في زمن تتسابق فيه الأصابع للنشر قبل التفكير، أصبحت السرية مهارة قيادية، لا خوفًا.. بل وعيًا بالتوقيت، ولذلك لا تكن شفافًا أكثر من المعدل.
[email protected]



