لعل القراء يتساءلون بعد هذه المقدمة: ماذا عن «الذكاء الاصطناعي التوليدي»؟ يمكن القول إن بعض نماذجه استطاعت أو اقتربت من النجاح في هذا الاختبار، فهل يعني هذا وصولها إلى الذكاء الاصطناعي؟ في رأيي لا نُلام إذا توقعنا أنها ذكية؛ لأن نتائجها مبهرة، لكن الحقيقة أنها نماذج أو برامج لا يمكن وصفها بالذكاء أو الغباء، فهي تتبع خوارزميات محددة لتوليد إجابات أو تصميم وسائط متعددة، لكنها لا تفهم أو تستطيع تقييم جودة هذه النتائج إلا بطريقة إحصائية، فقد تعطي إجابة صحيحة لغويًا لكنها خاطئة أو فارغة من المعنى، وهو ما يسمى بـ»هلوسة النماذج». حيث إن الصياغة اللغوية تعتمد على قواعد محددة، أما المعنى فيحتاج إلى فهم، وهو ما تفقده جميع النماذج الحالية مقارنة بالبشر. بل أذهب إلى أبعد من ذلك، فهي آلات تعمل فقط عندما يستعملها البشر، فليس لديها «عقل»، ولا تفكر بشكل تلقائي في حل معضلة أو مسألة تشغل بالها أو «تهوجس» فيها كما يحصل للبشر، بل إنها تنتظر أن نطلب منها توليد نتائج ترضي المستخدم. بالطبع بإمكاننا إعطاء هذه النماذج قائمة طويلة من المسائل والمعضلات لحلها، ومن ذلك ما يسمى بالذكاء الاصطناعي التوكيلي «Agentic AI»، لكن هذا لا يغير أساسها من عدم استقلاليتها في التفكير. وألخص ما سبق بأننا لا نزال نحوم في المحاكاة الاصطناعية للذكاء البشري عن طريق التقليد. ولهذا كله نجد انتشار مصطلح أحدث لما كان يسمى بالذكاء الاصطناعي «في تعريفه الأصلي»، وهو الذكاء الاصطناعي العام -Artificial General Intelligence “AGI”-، وهو يهدف إلى عودة البحث إلى تطوير آلات «تفكر» ولا تكتفي بـ»المحاكاة».
بينما قد تساعدنا نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في تحقيق تقدم علمي عن طريق توليف أفكار من علوم مختلفة، فإنها تعتمد على التقدم العلمي والإبداع البشري الحالي. وهي، وإن بدت نتائجها أذكى من معظم الأفراد، محدودة بما تدربت عليه من الذكاء البشري. وقد تساعد هذه النماذج، مع الأصناف الأخرى من الذكاء الاصطناعي التي بُنيت عليها، كالتعلم الآلي والتعلم التعزيزي، على إحداث تقدم في مجالات محددة. لكن يبقى توجيه هذه الآلات للأبحاث والتطوير في مجالات محددة عملاً بشريًا أصيلًا. ويؤكد إعلان مجلس الوزراء الموقر بتسمية عام 2026م بعام الذكاء الاصطناعي أهمية الموضوع، وبالطبع فلا مشاحة في الاصطلاح، فهدف المقال إيضاح معنى الذكاء الاصطناعي وليس اقتراح مصطلح بديل. ولا نزال في مراحل مبكرة من تطور هذه التقنيات. فإذا بحثنا الأثر الفعلي لها اليوم على عالم الأعمال نجد أنه أقل من المتوقع، وهو ما يذكر بمقولة من عام 1987م لروبرت سولو «Robert Solow» الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وهي: «نرى عصر الكمبيوتر في كل مكان إلا في إحصائيات الإنتاجية!». ولكننا نجد كذلك ما يسمى بقانون أمارا، الذي أطلقه الباحث روي أمارا «Roy Amara»، وينص على: «نبالغ في تقدير أثر التقنيات على المدى القصير، ونستهين بأثرها على المدى الطويل!».
وبينما تختلف آراء المختصين في إمكانية وقرب وصول الذكاء الاصطناعي إلى ما يمكن أن يسمى بذكاء حقيقي، شدّ انتباهي رأي الأستاذ في جامعة ستانفورد أندرو نج «Andrew Ng» في هذا الموضوع، وهو باحث شهير في مجالات الذكاء الاصطناعي، وقاد العديد من المشاريع الرائدة في مجالاته في شركتي جوجل الأمريكية وبايدو «Baidu» الصينية، إضافةً إلى تأسيسه شركة كورسيرا «Coursera». ويرى أنه مع كل التقدم الأخير في النماذج التوليدية لا يزال «الذكاء الاصطناعي العام» على بُعد عقود من تحققه، وأضيف على ذلك: إن تحقق إطلاقًا!
@AlQurtas



