المشكلة لا تكمن في الاختلاف ذاته؛ فالاختلاف موجود في أي مجتمع، كبيرًا كان أو صغيرًا، بل الإشكالية تبدأ حين يُعاد تعريف المفاهيم الأساسية بطريقة مشوّهة! فالتعدي اللفظي، الذي يُفترض أن يكون مرفوضًا أخلاقيًا وقانونيًا، يُعاد تقديمه على أنه نصيحة! هنا يحدث اللبس، عندما تتحول الإساءة إلى أداة تقويم، ويتحوّل الضغط الجماعي إلى وسيلة إصلاح؛ فكيف تجتمع النصيحة والتعدي؟ وكيف تتوقع أن نتيجة هذا التعدي هي العودة والامتثال لما قيل؟
هذا المنطق يقوم على فرضية أن الفرد المختلف مخطئ بالضرورة، وأن الجماعة تمتلك معيار الصواب المطلق! وبناءً عليه، يصبح إيذاؤه لفظيًا مبررًا، بل واجبًا في نظر البعض، حتى يعود إلى رشده! لكنهم يتجاهلون حقيقة أن النصيحة، في تعريفها البسيط، تهدف إلى الإصلاح دون إضرار، بينما القذف والتشهير يقومان على الإيذاء كوسيلة؛ حتى أن بعضهم يتعمد استخدام أقسى ما لديه من عبارات، ويعتقد أنه غير محاسب عند ربه! بل إن بعضهم والعياذ بالله يخبر المُساء إليه بأنه في النار، وكأن دخولها تحت تصرفه!
الخلط بين النصيحة والإساءة ليس مجرد خطأ لغوي أو أخلاقي، بل له تبعات قانونية واضحة ومعلومة ومعمّمة، فالقذف يُعد اعتداءً مباشرًا على السمعة، بغض النظر عن النية المعلنة! فلا يخفف منه أن يُغلف بعبارات مثل: نحن ننصح أو نريد لك الخير؛ فالنية لا تُلغي الأثر، ولا تعفي من المسؤولية.
الأكثر إشكالًا أن هذا السلوك يُنتج بيئة طاردة للاختلاف، فالفرد لا يُقيَّم بناءً على ما يطرح، بل على مدى توافقه مع التيار العام. ومع تكرار هذا النمط، يتجه الكثير إلى الصمت أو الاختباء، ليس اقتناعًا، بل تجنبًا للهجوم! وهنا نخسر جوهر التنوع، والنقد، وإمكانية التصحيح الجماعي.
إذا كانت النصيحة فعلًا هي الغاية، فهي تحتاج إلى شرطين: احترام الإنسان، واستقلال الفكرة عن الهجوم الشخصي، وما عدا ذلك هو إعادة تسمية للتعدي لا أكثر.
السؤال هنا: هل التعدي نصيحة؟ بل لماذا نحتاج إلى تسميته كذلك، إن لم نكن ندرك في الأصل أنه تجاوز؟.
[email protected]



