جمعتنا مقاعد الدراسة في جامعة أم القرى بمكة المكرمة قبل نحو ثلاثة عقود. وبعد فصل دراسي واحد انتقلتُ إلى كلية التربية بالطائف، ولم تمضِ أيام حتى لحق بي إليها، في واقعة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها كانت بداية علاقة لم تقف عند حدود الزمالة، حيث هناك ترسّخت المعرفة، وتحولت إلى صداقة وأخوّة قائمة على البساطة والوضوح، وعشنا مرحلة كان فيها العمل والدراسة يمضيان جنبًا إلى جنب، بلا ضجيج ولا ادّعاء.. لم يكن «نوار» مجرد صديق، بل كان مثالًا في الإخوة والرجولة والصدق والنزاهة؛ حيث عرفته صادق القول والعمل، مجتهدًا في دراسته، ثابتًا على مبادئه، محافظًا على صلاته. وكان ينعكس ذلك في تفاصيل يومنا؛ إذ كان صباحنا يبدأ بنور القرآن الكريم، حيث يحرص أن يعطّر طريقنا إلى الكلية بالاستماع إلى إذاعة القرآن الكريم، فتغمر تلك الصباحات الطائفية سكينة لا تُنسى.
كنتُ أظنّ أن الحياة ستمتد بنا، وأن لقاءنا مؤجّل لا مفقود، وأننا سنسير معًا يومًا في شوارع الطائف التي عرفتنا طلابًا. لكن الرحيل علّمنا أن بعض المواعيد لا تأتي، وأن الطرق نفسها قد نعود إليها وحدنا.. غير أن ما يؤلم ليس الفقد وحده، بل أن يصل خبره متأخرًا. فقد علمتُ اليوم أن «نوار» قد انتقل إلى رحمة الله متأثرًا بجائحة كورونا؛ وكأن الصدمة تتضاعف حين يغيب الصديق مرتين: مرة حين يرحل، ومرة حين نعلم برحيله بعد فوات الأوان.. رحل «نوار»، وترك أثرًا لا يُقاس بالكلمات؛ أثر رجل عاش على قيم واضحة، ومضى بثبات لا يلفت النظر بقدر ما يرسّخ المعنى. وخلّف ستّ بنات يحملن اسمه، وتبقى مسؤوليتهن بعده دعاءً صادقًا لا ينقطع.
أكتب هذا المقال ليس من أجل الرثاء بقدر ما هو تثبيت لمعنى: أن الصدق إذا استقر في صاحبه ترك ما يدل عليه بعد رحيله، وأن الرجال يُعرفون بما يبقى منهم لا بما يُقال عنهم.. ولعلّ في هذه التجربة ما يستحق أن نتوقف عنده قليلًا؛ فالحياة، مهما امتدت، تظل أقصر من أن نؤجل فيها مشاعرنا الصادقة أو كلماتنا الطيبة. كم من صديق غاب قبل أن نخبره بمكانته، وكم من قريب رحل قبل أن نمنحه وقتًا كان يستحقه. إن أكثر ما يؤلم في الفقد ليس الرحيل ذاته، بل ذلك الشعور بأن هناك أشياء كان يمكن أن تُقال ولم تُقل، وأن لحظات كان يمكن أن تُعاش ولم تُعش.
الرسالة التي يهمس بها هذا الرحيل في أعماقنا هي أن نبادر، وأن نصل، وأن نُبقي خيوط المودة حيّة لا تقطعها مشاغل الحياة. أن نحرص على السؤال، وأن لا نؤجل اللقاء، وأن نجعل من حضورنا في حياة من نحب حضورًا حقيقيًا لا عابرًا. فالأثر الطيب لا يُصنع بالكلمات وحدها، بل بالمواقف الصادقة، والاهتمام المستمر، والوفاء الذي لا يتبدّل.
كما أن في ذلك تذكيرًا بأن أجمل ما يتركه الإنسان خلفه ليس ما يملك، بل ما يغرسه في قلوب الآخرين من محبة وذكرى حسنة. فاحرص أن يكون لك أثر يُذكر، وكلمة طيبة تُحكى، ودعاء صادق يرافقك بعد الرحيل.
أستاذ علم النفس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
[email protected]


