تعد مبادرة وقف مواردنا امتداداً تاريخياً يعود إلى مراحل التوحيد، حين أكد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود «طيب الله ثراه» أن بناء الدولة يبدأ من ربط علاقة الإنسان بالموقع في أرضه، وأن الاستقرار لا ينفصل عن سُقيا الماء وتوفير أسباب العيش الكريم. فكانت مشاريع تطوير موارد المياه آنذاك حجر الأساس لتحويل الفضاء الصحراوي إلى نواةٍ حضرية تقوم على الأمن والاستقرار.
واليوم، تأتي «مواردنا» بلغة العصر عبر إدارة مؤسسية وتخطيط تنموي يعيد تعريف الموارد الطبيعية باعتبارها رأس مالٍ طويل الأمد، حيث تتجلى القيمة العميقة للمبادرة في تحويل الآبار إلى أوقافٍ مستدامة تضمن استمرار النفع في سُقيا الإنسان وريّ الماشية وإحياء المراعي، ليخرج الوقف من دائرته التقليدية الضيقة إلى مساره الحضاري الواسع كبنيةٍ اقتصادية واجتماعية وروحية متكاملة تحفظ النفع وتحوّل الخير إلى نظام حياةٍ ممتد.
إن تأهيل تسعة وثلاثين بئراً في الحدود الشمالية ليس مجرد رقمٍ إنشائي، بل هو رسالة استراتيجية مفادها أن التنمية تبدأ من تحت الأرض قبل أن تظهر على سطحها، وأن الماء حين يُدار بعقلٍ واعٍ يتحول من موردٍ محدود إلى أثرٍ لا ينقطع، لتظل مبادرة «مواردنا» أكثر من مشروعٍ تنموي، إنها رواية وطنٍ يفهم قيمة الماء ويحوّل الوفاء إلى نظام، والخير إلى بنية، والوقف إلى مستقبل.
إن هذا المشروع شهادةٌ جديدة على أن هذه الأرض التي وحّدها الملك عبدالعزيز -يرحمه الله - ويواصل مسيرتها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ويقود تحولها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -يحفظهما الله-، قادرةٌ على أن تصنع من الندرة وفرة، ومن القطرة نهراً، ليبقى الماء في الشمال ذاكرة وطنٍ لا يجف، ورسالة حياةٍ تمتد ما امتدّت الإرادة.
أستاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود
[email protected]



