وهنا تحديدًا تبدأ الأزمة. نحن لا نتعامل مع التحصيلي كأداة قياس.. بل كحكم نهائي. يُقال إن الاختبار وُجد لتحقيق العدالة بين الطلاب، في ظل تفاوت المدارس ومستويات التعليم. فكرة تبدو منطقية.. على الأقل نظريًا. لكن الواقع يقول شيئًا آخر. اليوم، لم يعد التفوق في التحصيلي مرتبطًا بالفهم فقط، بل بالقدرة على الدخول في منظومة تدريب كاملة: دورات مكثفة، ملازم متداولة، بنوك أسئلة. بعبارة أدق: لم نعد نقيس الفهم... بل نقيس التدريب. وهذا، بحد ذاته، انحراف خطير عن فكرة العدالة. والأخطر من ذلك، أن التحصيلي لم يعد مجرد اختبار... بل أصبح هدفًا تعليميًا بحد ذاته. طلاب الثانوية اليوم لا يدرسون ليفهموا، بل ليتجاوزوا. لا يسألون: ماذا تعلمت؟ بل: كم سأحصل؟ وحين تتحول العملية التعليمية إلى سباق درجات، فإننا لا نُنتج طلابًا... بل نُنتج مجتازين. وبين الاثنين... فرق شاسع. «نماذج عالمية» التجارب العالمية تكشف الصورة بوضوح: في الولايات المتحدة، كانت اختبارات القبول معيارًا أساسيًا، قبل أن تبدأ جامعات كثيرة بالتراجع عنها، بعدما أثبتت التجربة أنها لا تعكس دائمًا إمكانيات الطالب الحقيقية. في كوريا الجنوبية، الاختبار حاسم ودقيق، لكنه خلق ضغطًا نفسيًا تحوّل إلى قضية وطنية. حتى الأنظمة الأكثر تقدمًا، لم تتعامل مع هذه الاختبارات كحقيقة مطلقة... بل كأداة قابلة للنقد والمراجعة. أما نحن، فنتعامل مع التحصيلي وكأنه لا يُمس. «بداية الفكرة» في المملكة، جاء تطبيق الاختبار ضمن جهود تطوير التعليم، مع إنشاء المركز الوطني للقياس، ثم إشراف هيئة تقويم التعليم والتدريب. وكان الهدف واضحًا:
رفع جودة القبول الجامعي، وتقليل الفوارق بين الطلاب. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بوضوح: هل حقق التحصيلي هذا الهدف فعلًا؟ أم أنه استبدل مشكلة بأخرى؟ «الحقيقة الغائبة» الحقيقة التي لا نحب مواجهتها: أن التحصيلي مهم... نعم. لكن تضخيمه هو المشكلة. حين يُختصر مستقبل الطالب في درجة واحدة، فنحن لا نقيسه... نحن نختصره. وحين نربط قبوله الجامعي بهذا الشكل المكثف، فنحن لا ننظم التعليم... نحن نضيّق مساراته. «الهدف الحقيقي» إذا كان الهدف من التحصيلي هو العدالة، فلا يمكن أن تتحقق العدالة في اختبار واحد. وإذا كان الهدف هو قياس الجاهزية، فلا يمكن قياسها بمعزل عن المهارات الأخرى. الأنظمة التعليمية الناجحة لا تبحث عن «أفضل مجيب».. بل عن “أفضل متعلم”. «الخلاصة» التحصيلي ليس المشكلة... لكن الطريقة التي وضعناه بها في قلب المشهد التعليمي هي المشكلة.
نحن لا نحتاج إلغاءه.. بل نحتاج أن نُعيد حجمه الحقيقي.
[email protected]



