لم يكن الجري خيارًا بقدر ما كان حياةً طبيعية، فكل مرحلة تقود إلى أخرى، وكل إنجاز يفتح بابًا لسباق جديد. لا نتوقف لنسأل: لماذا؟ بل نُكمل لأن الجميع يكمل! نُسرع لأن التباطؤ يبدو وكأنه تراجع.
مع هذا الجري ننسى أنفسنا، ونؤجل بعض الأسئلة الضرورية: هل هذا ما نريده؟ هل نسير نحو هدف واضح أم فقط نتحرك لأن الحركة مطلوبة؟ هل قيمنا وضعنا الحالي؟ لكن هذه الأسئلة لا وجود لها مع الجري، فتُؤجل ثم تُنسى إلى أن تأتي الصفعة.
نقف فجأة، ليتوقف فيها التسلسل، وتنكسر فيها العادة. وفي هذه اللحظة نجد الوقت للوقوف، والوقوف ليس خيارًا بل نُجبر عليه، فننظر حولنا لا لنرى العالم، بل لنرى أنفسنا.
المفارقة أن الصفعة لا تكشف شيئًا جديدًا، بل تُعيد ترتيب ما كنا نعرفه؛ كتفاصيل صغيرة مررنا بها دون انتباه، إشارات تجاهلناها، وشعور خافت بعدم الرضا كنا نُسكته بالانشغال. كل ذلك يعود دفعة واحدة، لكن هذه المرة بصورة لا يمكن تجاهلها.
نكتشف أن المشكلة لم تكن في السرعة، بل في الاتجاه، وأن الجري المستمر قد يُبعدنا عن أنفسنا أكثر مما يُقرّبنا من أهدافنا، وأن ما كنا نعتبره تقدّمًا قد يكون مجرد حركة في مسار لم نراجعه. وأحيانًا نركز في مسار واحد أو عدد من المسارات، لكننا نهمل أهم مسار وهو الذات. فحين نقف، نلف رأسنا إلى الخلف، إلى ذلك الإنسان المهمل وراءنا.. لماذا نسيناه وحده هناك؟
التوقف لا يعني التغيير، بل يمنحنا فرصةً لإعادة النظر، لنُدرك ما تجنبناه طويلًا، أو لنُكمل الجري مرة أخرى لكن هذه المرة بحذر أكبر وتبريرات أكثر، أو لنؤكد أننا فعليًا موجودون بشكل كامل، ولم ننسَ شيئًا خلفنا.
ربما لن نتوقف عن الجري، لأنها طبيعة الحياة، لكن الفرق الحقيقي ليس في السرعة بل في الوعي؛ في أن نعرف لماذا نجري، وإلى أين، ومتى يجب أن نتوقف. فبعض الصفعات لا تأتي لتؤلمك، بل لتمنحك فرصة نادرة: أن ترى نفسك قبل أن تُكمل الطريق ذاته دون أن تشعر.
[email protected]


