أتساءل دومًا: ما الذي خضناه لنكون نسخة اليوم التي نحن عليها؟ ما الذي تجاوزناه وخسرناه أيضًا لنبلغ هذا القدر من الوعي بما نريد، وما يشبهنا، وما يناسبنا؟ ما نحب وما نكره، ما نؤمن به وما نرفضه؟ أكان في تخصصٍ يشبهنا، أم في عملٍ يمثلنا، أم في طريقٍ اخترناه بإرادتنا، أم في شغفٍ مِلنا إليه دون تكلّف، أم في رسالةٍ نؤمن بها، أم في مكانٍ نشعر فيه بالانتماء، أم في أثرٍ نرجو أن نتركه.
أفكر بصوتٍ عالٍ معكم بين هذه السطور: ما معنى أن يجد المرء نفسه؟ أن يجد النسخة التي تشبهه فعلًا وما طمح ليصل إليها. وما قادني لطرح هذا السؤال ربما مرور الزمن، وتتابع اللحظات التي تمر بنا، فنشعر أننا وجدنا أنفسنا حين تطول ساعات عملنا في شيءٍ نحبه ولا نشكو تعبًا، حين يغضب الإنسان وربما يخاف، لكنه يعرف مفاتيح إعادة الأمان لنفسه، حين يقرر أن يفعل، فتستقيم نظرته ويزداد وضوح خطاه، وحين يقرر أن يتوقف ويجد أن التوقف صواب، حين يتجاوز فيدرك أن ذلك حكمة، وحين يصمت فيجد أن ذلك درع. كل هذه اللحظات تصنع فينا شعورًا داخليًا بالوضوح، وتجعلنا ندرك أننا لم نصل إلى أنفسنا دفعةً واحدة، بل اكتشفناها قطعةً قطعة، لحظةً بعد أخرى.
أن يهبك الله الإدراك، والمعرفة، والتعلم، والتغير، والتكيف، تلك نعم عظيمة تقود ذاتك نحو مساحاتٍ أرحب، لتصبح أكثر وعيًا بنفسك، وإلمامًا بحاجاتك، وأكثر قدرةً على اتخاذ خطواتك بثقةٍ وثبات، تنجو من التيه، وتأنس بما صرت إليه.
أن يجد المرء نفسه أمرٌ لا يأتي بين ليلةٍ وضحاها، ولا بكتابٍ نقرأه فيكون بمثابة الدليل. فالأمر يبدأ من ذاتك إلى ذاتك، ويمكننا القول إنه رحلة ممتدة من التساؤل، والتجارب، والمراجعة، والاختبار، والسقوط أحيانًا، ثم النهوض بمعرفةٍ أعمق وأوسع. هو أن تتصالح مع تناقضاتك واختلافاتك، وأن تفهم أن التحوّل لا يعني التخلّي، بل يعني النضج. وأن تدرك أن بعض الطرق لم تكن لك، لكنها كانت ضرورية لتدلّك وترشدك إلى ما هو لك.
أن تجد نفسك يعني أن تُحسن الإصغاء لذلك الصوت الخافت في داخلك، وسط ضجيج التوقعات والآراء والصعوبات التي تواجهها وقد تعرقل سيرك أحيانًا، وأن تميّز بين ما تريده حقًا وما اعتدت أن تريده، وأن تُعيد تعريف العطاء والنجاح بمعاييرك أنت، لا بما يُملى عليك، وأن تمنح نفسك الإذن لتتغير دون شعورٍ بالذنب أو الخجل.
اكتشاف الذات فرصةٌ لفهم الحياة وعيشها بشكلٍ أفضل، وحَظِيَ كل الحظ من اغتنمها وظفر بها.



