اليوم، قد تضغط بعض العائلات على نفسها للذهاب إلى مطعمٍ ما، فقط لأن عائلةً من الأصدقاء قصدته ونشرت صورها هناك، فنشعر برغبةٍ في تقليدها خشية أن نبدو أقل منها. وهكذا تتحول الرغبات الشخصية إلى استجابةٍ لضغوط المقارنة.
وحتى السفر، الذي يُفترض أن يكون تجربةً ممتعةً تلبي احتياجات الفرد وتطلعاته، قد يتحول لدى البعض إلى وسيلةٍ لإثبات المكانة الاجتماعية ومجاراة الآخرين. وكذلك الحال في شراء السيارات أو تصميم المنازل، حيث لا نختار ما يلبي احتياجاتنا بقدر ما نختار ما يرضي أعين الآخرين، حتى أصبحت المظاهر الخارجية أحيانًا تتقدم على الجودة والقيمة الحقيقية.
إن التوقف عن هذه الدوامة ضرورةٌ لمن ينشد الراحة والطمأنينة والتفرغ لما يحقق النجاح الحقيقي. وقد ورد في كتاب «صفة الصفوة» لابن الجوزي قولٌ عظيمٌ للتابعي الجليل عون بن عبد الله:
“صحبت الأغنياء فلم يكن أحدٌ أطول غمًّا مني؛ إن رأيت أحدًا أحسن ثيابًا مني وأطيب ريحًا مني، فصحبت الفقراء فاسترحت.”
إن دوامة المقارنات نادرًا ما يخرج منها المرء سالمًا، فهي سببٌ رئيسٌ للتوتر والقلق والخسائر المادية. فكثيرٌ من الواقعين فيها ينفقون بدافع مجاراة الآخرين، لا بدافع الحاجة الحقيقية. وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إبراز هذا السلوك، حيث يسعى بعض المستخدمين إلى المبالغة في عرض مظاهر حياتهم أو التركيز على الجوانب الشكلية لجذب الاهتمام.
كما قد تكون المقارنات سببًا في المشكلات الأسرية، إذ يسعى بعض الأزواج أو الزوجات إلى محاكاة أنماط حياةٍ لا تتناسب مع ظروف أسرهم أو أهدافهم المستقبلية. ولا شك أن التفاهم والتقدير المتبادل بين الزوجين يظلان الأساس في تحقيق الاستقرار الأسري.
وتؤثر المقارنات المستمرة كذلك في الثقة بالنفس؛ فمن يعتد بتقليد الآخرين قد يفقد إحساسه بتميزه وقيمته. وقد تمتد هذه النظرة إلى الأجيال القادمة، فتؤثر في تقدير الأبناء لذواتهم ولإمكانات أسرهم.
من أجلكم، ومن أجل أبنائكم، ومن أجل دنياكم وآخرتكم، أعيدوا النظر في أسلوب حياتكم، وحرروا أنفسكم من دوامة المقارنات، وكونوا أنتم... لا غيركم.
[email protected]



