لم يعد تعريف إصابة العمل كما كان قبل سنوات.
النطاق توسّع، والأنظمة تطورت، والاعتراف بالمخاطر لم يعد مقتصرًا على داخل الجدران. اليوم، حتى إصابة الموظف أثناء ذهابه إلى العمل أو عودته منه تُعد إصابة مهنية مستحقة للنظر والتعويض. هذا تطور مهم في الفهم النظامي... لكنه يضع على عاتق الجهات المعنية مسؤولية أكبر: إذا اتسع تعريف الإصابة، فلابد أن يتسع معها إطار الحماية.
لكن الواقع يقول غير ذلك.
نحن أمام مفارقة تنظيمية حادة: توسّع في “الحقوق النظرية”، مقابل غياب في “التطبيق المنهجي”.
خذ مثالًا أكثر تعقيدًا: الاحتراق الوظيفي، أو الاضطرابات النفسية المرتبطة ببيئة العمل.
هل تُعتبر إصابة عمل؟
في الأنظمة المتقدمة، نعم — في سياقات محددة ومعايير واضحة، يُعترف بها كأحد أشكال الإصابات المهنية، ويُبنى عليها تدخل علاجي وتنظيمي. أما لدينا، فالمسألة لا تزال في المنطقة الرمادية: لا اعتراف صريح، ولا مسار واضح، ولا حماية كافية.
والنتيجة؟
موظف يُستنزف نفسيًا... بلا توصيف نظامي يحميه، ولا مسار علاجي مهيأ له.
وفي زاوية أخرى من المشهد، كانت هناك بدلات تعكس طبيعة المخاطر:
بدل خطر، بدل عدوى، بدل طريق.
هذه البدلات لم تكن “مزايا” بقدر ما كانت اعترافًا ضمنيًا بأن بيئة العمل تحمل مخاطر تستحق التعويض.
لكن مع التحول المؤسسي، تراجعت بعض هذه المفاهيم، أو دُمجت دون أن يُبنى مقابلها نظام حماية متكامل.
فأصبحنا أمام معادلة مختلة: التزامات قائمة... دون مظلة حقوق مكافئة.
نظام المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، من حيث المبدأ، يُلزم بتعويض إصابات العمل وتغطية تبعاتها.
لكن بين النص النظامي والتطبيق، توجد فجوة تُدار يوميًا... على حساب المريض.
المشكلة ليست في وجود النظام، بل في غياب الحوكمة التنفيذية.
الموظف المصاب لا يدخل في مسار واضح ومحدد، بل في متاهة:
هل حالته مُعترف بها كإصابة عمل؟
من الجهة التي تتبنى علاجه؟
هل له أولوية في المواعيد داخل جهة عمله؟
كيف يُدار وضعه إذا كان لديه عجز جزئي؟
من يقرر عودته التدريجية للعمل؟
أسئلة أساسية... بلا إجابات موحدة.
النتيجة المؤلمة أن الممارس الصحي — وهو في قلب منظومة العلاج — قد لا يجد مسارًا علاجيًا واضحًا لنفسه.
لا تأمين طبي يغطيه بشكل مستقل، ولا أولوية في مواعيد جهة عمله، بل قد يضطر للانتظار، أو البحث عن العلاج على نفقته الخاصة، أو حتى “الاستئذان” ليحصل على حقه في التعافي.
وهنا لا نتحدث عن حالة فردية... بل عن خلل هيكلي.
في تجارب ناضجة، مثل نموذج أرامكو السعودية، لم يتم استيراد النموذج التشغيلي فقط، بل تم استيراد “منظومة الحماية” المصاحبة له. عندما تبنّت نماذج العمل العالمية، تبنّت معها أنظمة الصحة والسلامة المهنية، وبرامج العودة إلى العمل، وإدارة المخاطر، والتأهيل الوظيفي.
وهذا هو الفرق الجوهري:
هناك من يستورد “النموذج كاملًا”... وهناك من يكتفي بـ”الهيكل”، ويترك الإنسان في المنتصف.
وفي بعض الأنظمة الصحية العالمية، مثل تلك المرتبطة بـ NHS England، توجد برامج واضحة لإدارة صحة الموظف، تشمل الدعم النفسي، وإعادة التأهيل، والتدرج في العودة إلى العمل، مع اعتراف صريح بأن صحة مقدم الخدمة جزء من جودة الخدمة نفسها.
أما في واقعنا، فنجد أنفسنا أمام نموذج غير مكتمل:
نستورد متطلبات الأداء، ونؤكد على الإنتاجية، ونرفع سقف التوقعات...
لكن دون أن نبني نظام حماية متكامل يوازي هذه الالتزامات.
والأخطر من ذلك، أن غياب هذا النظام لا يضر فقط بالموظف... بل بالنظام الصحي ككل.
لأن الممارس الذي لا يُعالج بشكل صحيح، لن يستطيع أن يعالج الآخرين بالكفاءة المطلوبة.
هذه ليست قضية فرد... ولا حتى فئة.
هذه فجوة تنظيمية تمس استدامة النظام الصحي.
والحل لا يكون بمراسلات فردية، ولا باجتهادات متفرقة، بل بقرار سيادي واضح:
تشكيل لجنة وطنية عليا، تُعنى بإعادة بناء منظومة الصحة والسلامة المهنية في القطاع الصحي، وفق إطار حوكمة متكامل، يحدد:
تعريفات واضحة لإصابات العمل، بما فيها النفسية
مسارات علاجية معتمدة وسريعة
آليات إدارة العجز الجزئي
برامج إعادة التأهيل والعودة التدريجية إلى العمل
وضمانات فعلية لحق الموظف في العلاج دون عوائق
لأن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم، وبوضوح:
هل نريد نظامًا صحيًا يعالج المرضى فقط...
أم نظامًا يحمي من يُعالجهم أيضًا؟
الإجابة على هذا السؤال... هي ما سيحدد شكل المرحلة القادمة.


