وهناك من يريد رزقاً ولا يريد تحمل المسؤولية، فالطالب يريد أعلى الدرجات بدون تحمل المسؤولية في المذاكرة والحرص والاهتمام، والباحث عن الوظيفة يريدها ولا يريد التعب والغربة في حال الحاجة اليها، وعلى ذلك فقس.
عندما نقرأ سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، نجد موقفاً عظيماً ففي تحمل المسؤولية من الأنصار في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة - يونيو سنة 622م - حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفساً من المسلمين من أهل يثرب، جاءوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، وبحس مسؤولية عالٍ تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم - وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق - حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويُطرد في جبال مكة ويخاف؟
فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات سرية أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل.
لم يكن السؤال مجرد عاطفة، بل كان بداية تحمّل مسؤولية.
ومن هنا تحركوا: تواصل، وتخطيط، واتفاق على لقاء سري في ظلام الليل، في مكان محدد وزمان دقيق.
إن الشعور بالمسؤولية لا يكفي، بل لا بد أن يتحول إلى قرار... ثم إلى فعل.
اليوم، مشكلتنا ليست في قلة الإمكانات، بل في كثرة الأعذار.
كثيرون يجيدون الحديث، وقليلون يتحملون المسؤولية.
كم من أسرة تحتاج إلى رجل يقول: أنا مسؤول؟
وكم من مؤسسة تنتظر مبادراً لا متفرجاً؟
وكم من مجتمع يتأخر لأن أفراده ينتظرون من يبدأ؟
لقد غيّر الأنصار مجرى التاريخ حين شعروا بالمسؤولية...
ونحن يمكن أن نغيّر واقعنا إذا بدأ كل واحد منا من موقعه.
لأن المسؤولية ليست عبئاً، بل شرف لا يحمله إلا الكبار.

