جاء هذا المقال أثناء زيارتي لمنطقة الباحة قادمًا من الدمام، رابع أيام العيد 23 مارس 2026. استقبلتني الأمطار من مركز نخال، حيث تلتقي حدود منطقة مكة المكرمة، واستمر المطر حتى وصولي إلى قريتي الطلقية في محافظة بلجرشي على بعد 70 كيلومترًا، مذكّرًا إياي بما عشته في طفولتي.
اليوم أصبح لديّ تخصص علمي عالي من أرقى الجامعات العالمية، يركّز على رصد المشاهد البيئية ومؤشراتها. وقد استدعيت قراءة الماضي الذي عرفته في طفولتي، وقارنته بالحاضر، فوجدت أن ما وثقته في كتابي مستقبلها يعكس المشاهد الحالية. شغف الاهتمام العلمي لديّ أساسه معايشتي الشخصية أثناء سنوات الطفولة، وما زلت أتلذذ بذكريات البيئة الجبلية المطيرة، التي تربطني بها ملامح وذكريات تشكّل ذاكرتي المكانية وترافقني أينما كنت. استثمرت هذه الذكريات لتأسيس تخصصي العلمي وتوسيع مدارك اهتمامي.
في طريقي، استخدمت قوى الملاحظة والمقارنة والتحليل والاستنتاج لتحديد أفضل الممارسات. بالمقارنة نتمكن من التمييز بين ما هو أكثر ملاءمة وما يحتاج إلى تحسين، وبالتالي اتخاذ قرارات صائبة. وقد لاحظت العديد من المؤشرات التي تنبّه إلى احتمالية تأثير الأمطار على المدرجات التراثية إذا لم تُولى اهتمامًا كافيًا.
لا أتحدث هنا عن كارثة حاضرة، بل عن تآكل تدريجي قد لا يلاحظه غير المختصين، والذي قد يؤدي مع مرور الزمن إلى تحديات أكبر. هذه العملية لا تواجهنا نحن جيل الحاضر، بل قد تؤثر على الأجيال القادمة، إذ أن بعض المكونات البيئية قد تختفي نهائيًا مع تراكم الضغوط عليها، واستمرارها قد يؤدي إلى خسارة يصعب تعويضها. هذا ما أراه لمستقبل هذه المناطق التراثية المطيرة.
من هذه المؤشرات التي نعيشها دون إدراك كامل، هجر المدرجات المائية والزراعية التراثية في مناطقنا الجنوبية الغربية المطيرة، والتي كانت عبارة عن حدائق منزلية معلقة على سفوح الجبال، نابضة بالحياة ومتوارثة بين الأجيال بجهود عالية التنظيم والإدارة. هذه المدرجات ليست مزارعًا بالمفهوم الحديث، وإنما تراثية بحجرها وطبيعتها ووظيفتها، وتعود ملكيتها لأفراد وأسر عاشوا في هذه الجبال جيلاً بعد جيل، مستثمرين مساحاتهم الزراعية لضمان لقمة العيش. وكان محور زراعتهم منصبًا على زراعة الحنطة، بحيث يمكن حصاد سنابلها من رية مطرية واحدة، نتيجة خبرة تراكمت عبر الأجيال.
لن أخوض هنا في تفاصيل هذا النظام الزراعي التراثي من حيث مهارته وأدواته وتنظيمه، فهو يحتاج إلى فرق علمية لرصدها وتحليلها علميًا. هذا ما أدعو إليه منذ ثلاثة عقود، وقد وثقت جزءًا منه في رسائلي وكتبي عن المياه. ويحتاج هذا الأمر إلى جهود مشتركة من الجهات المختصة لحمايته وصيانته وتنظيمه بما يدعم تغذية المياه الجوفية ويضمن استدامتها، لصالح الأجيال القادمة.
[email protected]



