ظهر صوتي العلمي الغيور للعلن “فجأة” عام «1993»، في مجلة اليمامة، في وقت كان اندفاع التوسعات الزراعية العشوائية وغير الاقتصادية يتعاظم. وتعرضت لاتهامات جارحة، وكذلك لتجاهلٍ تحدث عنه “عبدالله شباط” -رحمه الله- في أكثر من مقال.
وثّقت دفاعي عن المياه الجوفية في «12» كتابًا منشورًا، لكنني سأظل أتجرّع مرارة حجب كتابي الأول في تسعينيات القرن الماضي، بعنوان: «قبل أن تنضب المياه». كان المولود الأول، وفقده أشبه بفقد فلذات الأكباد.
تم تغييب حقائق الماء، ومدى التأثير السلبي لتجاهلها وتجاوزها. هل كان البعض يرى كتابي «عبثًا» و»شخابيط» أطفال؟ هل كانوا يرون موضوعاته قصص أطفال تُروى قبل النوم؟ لو كان الأمر كذلك لأجازه الرقيب.. السؤال المهم: هل كان الرقيب مؤهلًا لتقييم كتاب علمي؟ ببساطة، لم يُسمح بنشره.
يحمل الكتاب حقائق علمية لا لبس فيها. فهل فسّرها الرقيب بصورة مختلفة؟ وهل كان ذنب الكتاب، في نظره، أنه لم يتحدث عن تشجيع زراعة القمح والشعير والأعلاف على حساب المياه الجوفية الاستراتيجية؟
ما موقفهم الآن، بعد أن نهاية تلك المرحلة لاحقا؟ كنت أعلم علميًا بأنها ستتوقف في نهاية المطاف، ولكن بعد خسارة المزيد من المياه الجوفية الثمينة. كان الكتاب مرجعًا علميًا، وإن تجاهل حقائق المياه وغياب الجدوى الاقتصادية لا يُعد إنجازًا يُحتفى به.
ظللت أتساءل: لماذا لم يستوعب الرقيب هذه الحقائق؟ لقد تسبب حجب الفسح المطلوب في «صدمة نفسية عميقة» لي، وما زلت أتجرّع مرارتها. ونتيجة لذلك دخلت في حالة من السبات، خرجت منها بجهود الدكتور «خالد عبد السلام»، عميد كلية العلوم الزراعية والأغذية سابقًا، الذي بذل جهدًا استثنائيًا لانتشالي من تلك الحالة.
كان يزورني يوميًا في مكتبي، يواسيني ويحثني على مواصلة الكتابة عن الماء، بعد أن تحولت إلى الكتابة الأدبية بنشر كتابي: «زمان الصمت». واستمر في محاولاته لأشهر، إلى أن عدت للكتابة عن المياه من جديد.
عندما تتعاضد العقول العلمية، يكون عطاؤها مستدامًا لصالح الوطن وأهله.
بدأت مرحلة جديدة، انتقلت فيها من الكتابة غير المنتظمة إلى الكتابة الأسبوعية المنتظمة في جريدة «اليوم». واصلت الكتابة رغم التحديات الظاهرة والباطنة، وانتقلت إلى مخاطبة الناس مباشرة، سعيًا لتأسيس ثقافة بيئية جديدة، نابعة من حاجتنا إلى وعيٍ مستدام بأهمية المياه الجوفية لنا ولأجيالنا القادمة. وهذا المقال هو نهاية قصتي مع الماء، سردتها لكم في «32» مقالًا.
الحقيقة أن جريدة «اليوم»، كانت شريكة في نجاح نقل صوت الماء إلى الجميع. اخترتها لتكون منبرًا لثقافة الماء والبيئة، رغم محاولات استقطابي من صحف محلية أخرى.
ولحكمة ساقها الله، كانت جريدة «اليوم» أول صحيفة في حياتي، عام «1965» في مدينة بقيق، حين كنت في الصف السادس الابتدائي، لتصبح لاحقًا جزءًا من قصتي مع الماء. في ذلك الوقت، قلّبت صفحاتها متسائلًا: متى أستطيع قراءتها؟ فأصبحت أحد كتّابها، وأفتخر بذلك.
[email protected]


