هذا المشهد يختزل في جوهره مفارقة اقتصادية كبرى، فنحن لا نتخلص من «نفايات»، بل نهدر “ثروة وطنية” صامتة تُقدَّر بملايين الأطنان سنويًا، يمكن أن تتحول إلى دخل إضافي، ومجال استثماري، وشركات توظف العديد من الشباب.
وتتحدث لغة الأرقام بوضوح عن حجم الفرصة الضائعة، فمن بين أكثر من 60 مليون طن من النفايات الإجمالية في المملكة، تبرز المخلفات الزراعية كلاعب محوري بنسبة تصل إلى 40%. نحن نتحدث عن رقم كبير وهائل يضم أكثر من 38 مليون طن من المخلفات الحيوانية و1.6 مليون طن من البقايا النباتية. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات صماء، بل هي «مواد خام» أولية ضلت طريقها إلى سلاسل القيمة المضافة، وبقيت تراوح مكانها بين الإهمال والتخلص غير الآمن.
إن الرحلة من «الهدر» إلى “الاستثمار” تبدأ بفك الشفرة الاقتصادية لهذه المخلفات. فما يراه المزارع اليوم نفاية تستوجب الإقصاء، يراه العلم الحديث طاقة كامنة، إذ يمكن لكل طن من هذه البقايا أن يتحول عبر تقنيات التحلل اللاهوائي إلى غاز حيوي «Biogas» يضيء المزارع ويدير محركاتها، أو يُعاد تدويره كأسمدة عضوية «الكمبوست» تعيد للتربة حيويتها التي استنزفتها الأسمدة الكيميائية. هذا التحول لا يحمي البيئة من الانبعاثات الكربونية فحسب، بل يفتح آفاقًا لرفع دخل المزارع، محولًا مزرعته من وحدة إنتاج أحادية إلى منظومة «اقتصاد دائري» متكاملة.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري: لماذا لا يزال هذا الكنز مهجورًا؟ الإجابة تكمن في الفجوة المعرفية، وهنا يأتي الدور المحوري للإرشاد الزراعي، ومراكز البحث العلمي، وكليات الزراعة. إن معركة التحول لا تُخاض بالآلات والمصانع فقط، بل تُكسب أولًا في وعي المزارع، واتجاهاته، ومهاراته. ويحتاج المزارعون اليوم إلى «جسور معرفية» تربطهم بالتقنيات الحديثة، وبرامج إرشادية تتجاوز النصح التقليدي إلى بناء نماذج استثمارية واضحة. إن توجيه المزارع نحو طرق الفرز والمعالجة الأولية، وإيضاح الجدوى المالية لتحويل البقايا إلى منتجات قابلة للبيع، هو المفتاح الحقيقي لتحويل العبء إلى مورد.
إن المملكة اليوم، وهي تمضي قدمًا نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030، تمتلك فرصة ذهبية لدمج هذه الثروة في نسيج الاقتصاد الوطني. إن الاستثمار في تدوير المخلفات الزراعية يمثل استثمارًا في مستقبل يجمع بين الربحية والاستدامة، مستقبل لا تُعرف فيه كلمة “نفاية”، بل تتحول فيه كل بقايا نباتية أو حيوانية إلى قيمة اقتصادية، وتصبح الأرض أكثر سخاءً حين نرد إليها بعض ما أخذناه منها بصورة «سماد حي» لا سموم كيميائية. من يستثمر اليوم في هذا “الذهب الأخضر” المهدر، يمتلك بلا شك مفتاح الريادة في اقتصاد المستقبل، في ظل الدعم الموجه للمزارع والمنشآت الزراعية.
أستاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود
[email protected]


