والحقيقة التي غالبا ما نتوارى عن قولها بوضوح هي أن الكثيرين لا يعانون من قسوة الحياة في ذاتها، بل من «أميّتهم» في كيفية التعاطي مع تعقيداتها. ففي زمن أصبحت فيه العلاقات الإنسانية أكثر تشابكًا، لم يعد يكفي أن يكون الإنسان «طيبًا» أو «صادق النية» فحسب. فهذه صفات أخلاقية سامية، لكنها تظل قاصرة في عالم يتطلب وعياً عاطفيًا، وكفاءة تواصلية، وقدرة عالية على إدارة الاختلاف. إن تلك الفجوة بين النوايا الحسنة والنتائج المؤلمة تُملأ غالبًا بغياب «المهارة» لا بغياب «الضمير».
وعلم النفس الحديث لا يترك هذه القضية رهينة للانطباعات، إذ يضع “الذكاء العاطفي” في صميم جودة الحياة، بوصفه القدرة على فهم الذات، وضبط الانفعالات، وقراءة الآخر بوعي. وتكمن المشكلة الكبرى في رفض الاعتراف بهذه الفجوة المهارية، حيث يشتكي البعض من «الناس»، لكنهم لا يراجعون أدواتهم في التعامل معهم، ويتألمون من سوء الفهم، لكنهم لا يتعلمون كيف يعبرون بوضوح، ويغضبون من نتائج علاقاتهم، لكنهم يتمسكون بذات الأنماط القديمة، وكأن التكرار سينتج نتيجة مختلفة!
إن إصرار البعض على وصف النجاح والناجحين بأنه «صدفة محضة»، وأن التميز مجرد «واسطة وحظ»، فيه تغييب متعمد لدور العلم والمعرفة وتطوير القيادة الذاتية. وفي هذا السياق، تبرز قيمة التوجيه النبوي: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، ليس بوصفه مثالية حالمة، بل كمعيار عملي صارم. فمحبة الخير للآخر لا تتحقق بالشعور المجرد، بل بالقدرة على فهمه واحترامه، وهذه في حقيقتها «مهارات» تُكتسب بالتعلّم والممارسة.
إن التغيير ليس رفاهية، بل هو مواجهة مباشرة مع الذات، وكسر للأنماط التقليدية. ولهذا يهرب الكثيرون من هذا الاستحقاق، لأنهم يدركون في أعماقهم أن التعلّم أصعب من الشكوى، وأن إصلاح النفس أثقل من اتهام الظروف. إن رفع درجة المعرفة والمهارة الفنية والاجتماعية هو السبيل الوحيد لنيل الرضا الذاتي ودعم تنمية الوطن، بدلاً من قتل الطموح بعبارات اليأس التي نختبئ خلفها مثل: «هذا محظوظ»، أو «هذا له واسطة». تلك الكلمات ليست إلا أعذارًا واهية للهروب من واقعنا، وتجاهلاً للحقيقة المرة: وهي «أميّة التعامل الصائب مع الحياة».
فهل ضاقت بنا الحياة فعلاً، أم أننا لم نتعلّم بعدُ كيف نُبحر في أمواجها؟ خلف كل شكوى من “قسوة الظروف” تختبئ حقيقة مسكوت عنها: وهي أن النوايا الحسنة لا تكفي وحدها لصناعة حياة مستقرة، بل نحن بحاجة إلى «أدوات» ومهارات يجب علينا أن نتعلّمها وسط ضجيج الحياة.
فالأمر ليس ضيقًا بالحياة.. بل هو عجز عن تعلّم مهاراتها.
أستاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود
[email protected]



