حينما كانت بغداد عاصمة القوة العظمى في النصف الثاني من الألفية الميلادية الأولى، ومدينة الدنيا الفارهة، كان سكان العالم يقلدون العرب في لباسهم وأساليب حياتهم.
كان هارون الرشيد، الذي حكم (170–193هـ / 786–809م)، يقود الإمبراطورية العباسية العظمى، ويُذاع اسمه في أرجاء الدنيا أيقونةً عالمية، ويمثل نموذجًا في الحكم. وقد قرر الإمبراطور البيزنطي تقليده، فأخذ يمر دوريًا بالأسواق والمحلات والأماكن العامة، ويستطلع أحوال الناس مباشرة، كما يفعل هارون الرشيد.
وحينما انتقل المغني البغدادي العالمي الشهير «زرياب» (173–243هـ / 789–857م) إلى الأندلس – وكان مايكل جاكسون زمانه – توافد إليه شباب الأندلس جموعًا ووحدانًا، يتهافتون إلى لقاء العندليب (أو الشحرور) الأسمر، والاستماع إلى أغانيه ومواويله. وكانت الأندلس العربية، حينها، درة الدنيا، والبلد الأكثر تقدمًا في أوروبا والأقوى. وكان الأوروبيون، شبابًا وشيبًا، يستلهمون فنون الأندلس العربية وأزياءها، وآداب العرب وعلومهم وفلسفتهم.
فسنّ زرياب قواعد اللباقة (الإتيكيت) في اللقاءات والموائد واللباس والعطور، وحتى فنون الإنشاد. ثم عبرت موضة زرياب جبال البرانس إلى أوروبا، فأصبحت أسلوبًا ثقافيًا في العصور الأوروبية الوسطى والحديثة، ثم تحولت إلى موضة عالمية تُدرّس الآن في جامعات العالم. بمعنى أن الإتيكيت الأوروبي الذي نتعلمه اليوم هو ثقافة عربية صدّرها زرياب إلى أوروبا.
وكان المفكرون الأوروبيون يعدّون، آنذاك، جهل الأوروبي باللغة العربية نقصًا في مؤهلات المفكر وكفاءته. بل إن المفكرين الأكثر تعصبًا ضد الإسلام، مثل توما الأكويني، كانوا يحرصون على تعلم العربية، للتسلح بالمعرفة ومحاربة الغزو الفكري الإسلامي لأوروبا المسيحية، ومواجهة فلسفة ابن رشد العربية الأندلسية، التي وُلع بها المثقفون الأوروبيون، من قرطبة حتى سهول الغال والتواءات الراين.
وتر...
في مواسم المطر،
تتدفق الغيوم الحبلى بكرائمها،
وترتوي الأرض الظمأى،
ويشرب الثرى ومآقينا سُلاف الديم.
@malanzi3



