ولعل التجربة اليابانية تقدم مثالاً لافتاً على قوة هذه الفكرة؛ فبعد الحرب العالمية الثانية، كانت الصناعة اليابانية تعاني ضعفاً شديداً في الجودة والسمعة. غير أن الشركات هناك تبنّت أفكار ديمنج القائمة على التحسين المستمر والتعلم المؤسسي، فتحولت الجودة من مجرد مرحلة تفتيش في نهاية الإنتاج إلى ثقافة متجذرة في كل خطوة من خطوات العمل. ومن ثم، لم تمضِ عقود قليلة حتى أصبحت المنتجات اليابانية مرادفاً للدقة والموثوقية في الأسواق العالمية.
وبالنظر إلى الدراسات الإدارية الحديثة، نجد أن هذه الفلسفة ما زالت تحظى بتأييد واسع؛ فقد أشارت دراسة نشرتها مجلة هارفارد للأعمال إلى أن المؤسسات التي تشجّع موظفيها على المشاركة في تحسين العمليات تحقق مستويات أعلى من الإنتاجية والابتكار. ويرجع ذلك إلى أن الموظف، عندما يشعر بأن رأيه مسموع وأن الخطأ فرصة للتعلم لا سبب للعقاب، يصبح أكثر استعداداً للمبادرة وتقديم الحلول.
ومن زاوية أخرى، قدم ديمنج أداة عملية للتطوير تُعرف بدورة التحسين المستمر، وهي أربع مراحل مترابطة: التخطيط، ثم التنفيذ، ثم التحقق، ثم التصحيح. وبعبارة أخرى، تبدأ العملية بتحديد المشكلة ووضع خطة لمعالجتها، ثم تجربة الحل عملياً، ثم تقييم النتائج، وبعد ذلك تعميم التحسين أو تعديل الخطة إذا لزم الأمر. واستناداً إلى ما سبق، تصبح المؤسسة في حالة تعلم دائم، بدلاً من الاكتفاء بالأساليب التقليدية الجامدة.
وخلاصة القول أن فلسفة ديمنج تذكّرنا بحقيقة إدارية مهمة، وهي أن النتائج ليست سوى مخرجات للنظام الذي ينتجها. ولذلك، فإن المؤسسات التي تسعى إلى التميز لا تكتفي بمطالبة موظفيها بأداء أفضل، بل تعمل أولاً على تطوير أنظمتها وأساليبها وثقافتها التنظيمية.
[email protected]



