ومع أول قطرة، يبدأ كل شيء. أخرج دون تردد، أرفع وجهي نحو السماء، وأترك المطر ينساب على وجهي وثيابي، يبللني، لكنني أشعر بخفة لا تُوصف، كأنني أتحرر من الأرض للحظة.
تصلني أصوات أمي وجدتي: «ادخلي.. ستمرضين»، لكنها لا تصل إلى قلبي؛ كنت أعيش فرح الطفولة كما هو.
وفي اليوم التالي، تبدأ حكاية أخرى. نجتمع أنا وبنات الحارة، نحمل «الصفرية»، ونذهب إلى الطين الذي تركه المطر. نعجنه بأيدينا، ونشكّل منه دلالًا وأكوابًا صغيرة، نصنع عالمًا يشبه بيوتنا. وإذا انكسرت قطعة، نعيدها من جديد. ثم نضعها تحت الشمس، نعود كل يوم نراقبها حتى تجف، وكأنها تكبر معنا.
وتعلمت كيف أصنع طائرة من ورق دفتري، أطويها بعناية، ثم أضعها في مياه المطر، أراقبها تمضي ببطء، كأنها تحمل شيئًا من خيالي. وأركض أحيانًا خلف الطيور، أمدّ ذراعيّ وأحاول الطيران، وأؤمن للحظة أنني أستطيع.
وأحيانًا أركض خلف الدجاج في الحارة، أردد بصوتي الطفولي: «تك دوم تك دوم»، كأنها أغنية تشبه الفرح.
وعند البرك الصغيرة، كنت أراقب الضفادع وهي تقفز، أمسكها بفضول، أسمع صوتها، ثم أتركها تعود إلى عالمها، كأنني اقتربت من سرّ صغير من أسرار الحياة.
وأتذكر قطة صغيرة في أول مطر لها، كيف خافت، وكيف جاءت أمها تحتمي بها، تغطيها وتضمها، مشهدًا بسيطًا ممتلئًا بالحنان.
وفي الداخل، كانت أمي تمنح المطر معنى آخر؛ تُحضّر العصيدة والخبيصة، وتملأ رائحة اللبان العُماني البيت. نجلس حول الطعام، وقلوبنا دافئة، بينما المطر في الخارج يواصل هطوله.
كنا نذهب إلى أماكن تجمع المياه، نقف نتأمل انعكاس السماء، نشعر أن المطر ترك قطعة منه على الأرض.
وعندما أخذتني الحياة إلى بومبي في الهند عام 1995، رأيت أطفالًا يمدّون أيديهم للمطر، يغنون ويضحكون، كأنهم يحتفلون بالحياة رغم كل شيء. أدركت أن المطر ليس مجرد ماء... بل رجاء.
وهنا تذكرت:
«طق يا مطر طق، بيتنا يديد، مرزامنا حديد..»
أغنية من الموروث الشعبي، كان الناس يرددونها فرحًا بالمطر، لأنه حياة.
المطر لم يكن حدثاً عابرًا؛
كان طفولة تركض، وذاكرة تنبض، ودفء بيت، وأملاً يتكرر.
وكلما تذكرت المطر.. أعود إلى تلك الطفلة التي كانت تؤمن أن الفرح يمكن أن يُمسك باليد، وأن الحياة تنزل من السماء مع كل قطرة.
وكلما تذكرت المطر..
أعود إلى نفسي الأولى، إلى تلك الطفلة التي كانت تدور تحت السماء، وتؤمن، بكل بساطةٍ وصدق، أن الفرح يمكن أن يُمسك باليد، وأن الحياة.. تنزل من السماء مع كل قطرة.
[email protected]



